Note: English translation is not 100% accurate
جلال آل رشيد: تجربة كتلة الأغلبية في مجلس 2012 كانت سيئة بشكل غير مسبوق
26 أغسطس 2012
المصدر : الأنباء
صرح الأستاذ الجامعي والمعلق السياسي د.جلال آل رشيد بأن تجربة كتلة الأغلبية في مجلس الأمة لعام 2012 المبطل كانت تجربة سياسية سيئة بشكل غير مسبوق وإلى حد لا يمكن تصوره.
ففي الوقت الذي تطالب به كتلة الأغلبية في مجلس الأمة لعام 2012 المبطل بإمارة دستورية وحكومة منتخبة يتم استبعاد أبناء الأسرة الحاكمة جميعهم عن منصب رئاسة الوزراء فيها، وان تكون الوزارات، أو اغلبها، تابعة للأغلبية البرلمانية التي تختارهم وتتحكم بهم، وبالتالي فإنه في الوقت الذي تطالب به هذه الكتلة بالسيطرة بالقوة على عملية صنع القرار السياسي داخل مجلس الوزراء، متناسية أن هدفها المتمثل في الاستيلاء على عملية صنع القرار في مجلس الوزراء ينافي نصا دستوريا صريحا ينص على النظام الذي يسيّر السلطة التنفيذية، كما جاء في المادة الخامسة والخمسين من الدستور التي تنص على ما يلي: «يتولى الأمير سلطاته بواسطة وزرائه»، وبالتالي فإن حق التحكم في تشكيل السلطة التنفيذية، ابتداء من رئاسة الوزراء وانتهاء بآخر وزير هو حق أميري محض، باعتبار ان الدستور الكويتي خلق نظاما سياسيا يمزج بين النظامين البرلماني والرئاسي، فالدستور لم يعتمد النظام البرلماني الصرف، وعلى الجميع احترام الدستور، واحترام باقي قوى المجتمع، وبالتالي فإن محاولة السيطرة على مجلس الوزراء من جانب بعض البرلمانيين الحاليين (أعني أعضاء برلمان 2009)، وبعض الأعضاء المبطلة عضوياتهم في برلمان 2012 الذين لا توجد صفة رسمية لهم أساسا، ومحاولتهم تسيير مجلس الوزراء واختيار أعضائه يعد اعتداء على سلطات صاحب السمو الأمير، وليس مجرد تدخل في عمل سلطة أخرى هي السلطة التنفيذية، بمعنى ان هذا التعدي السافر ليس تعديا على المادة الخمسين وحدها من الدستور التي تنص على الفصل بين السلطات مع تعاونها. وبالتالي فإن ذلك اعتداء على نصوص دستورية متعددة واجبة الاحترام، فالفوضى والغوغائية في ممارسة العمل السياسي مرفوضتان رفضا باتا. نقول انه في الوقت الذي تطالب به كتلة الأغلبية وعموده الفقري قبل منافاتها لنصوصه المباشرة، فإن تلك الأغلبية، وهذا أمر مهم جدا من الناحية السياسية لا الدستورية هذه المرة، لم تقدم نموذجا سياسيا ناضجا يدل بشكل من الأشكال على وجود حس سياسي ناضج وتحاوري لديها يجعلها في موقع سياسي يتيح لها مطلبا تنقيحيا للدستور بكل هذا الحجم.
فالواقع هو أنهم طلبوا الحكم كاملا عبر مطالبتهم بالسيطرة على سلطات كل من السلطة التشريعية (عبر اجبارهم للمجتمع على آلية للتصويت والدوائر)، وعبر مطالبتهم بالسيطرة على السلطة التنفيذية (عبر مطالبتهم بالزحف على صلاحيات صاحب السمو الأمير في حق اختيار رئيس الوزراء والوزراء، وبالتالي مطالبتهم بالتحكم الكلي في صنع قرار مجلس الوزراء)، بل وعبر الجرأة غير الحصيفة على ممارسة التشكيك والضرب في السلطة القضائية، وبالتالي تصل كتلة الأغلبية في المجلس المبطل الى استكمال دوائر الاستيلاء على سائر صلاحيات رأس السلطات الدستورية الثلاث.
والواقع هو ان النموذج السياسي ـ الذي قدمته كتلة الأغلبية في المجلس المبطل للمجتمع الكويتي بأكمله أثناء سيطرتها الفعلية على مجمل الحياة السياسية في مجلس 2012 المبطل ـ كان نموذجا سياسيا أحاديا فاشلا ابتعد عن الحوار والمشاركة السياسية روحا وممارسة وفكرا، فإشراك سائر قوى المجتمع السياسية والاجتماعية والطبقية والطائفية جميعا وبلا استثناء يُعد أمرا هو من مصلحة من يقوم به، وبالذات الطرف المسيطر، ولكن الأغلبية في المجلس المبطل لم تمارسه من ناحية، وكانت تراه ضد مصلحتها من ناحية أخرى، مما دل على مدى أفقهم السياسي الذي نتمنى له أن يتسع مستقبلا.
لقد كان على تلك الأغلبية، كونها أغلبية، أن تلاحظ أن هنالك أقلية كانت موجودة وجودا فعليا داخل مجلس 2012 المبطل، وتاليا كان هناك مجموعات مجتمعية اوصلت نواب اقلية مجلس 2012 الى المجلس، فكان واجبا على نواب تلك الاغلبية السابقة ان يقنعوا نواب اقلية مجلس 2012 بسائر تحركاتهم السياسية وقوانينهم التي اقروها في مجلس 2012 المبطل، فواجب الاستيعاب والاحتضان لسائر القوى المجتمعية كان واجبهم هم كأغلبية مسيطرة تريد ان تقدم نموذجا مطمئنا لـ «الجميع»، لذلك فقد ذهب مجلس 2012 المبطل، لكنه ترك تساؤلات كبيرة جدا علينا ككويتيين ان نبحث عن اجابات عنها، فهل يعرف اولئك النواب، نواب تلك الاغلبية السابقة، معنى تصرفاتهم الاقصائية الخطيرة سياسيا؟ هل يعرفون معنى اقرار القوانين في الجواخير والبصم عليها في المجلس بلا مناقشتها جديا وتفصيليا مع شركائهم في الوطن؟ هل يعرفون معنى عدم دعوة نواب الاقلية السابقة لمشاركتهم العمل البرلماني داخل جواخيرهم لمناقشة «قوانينهم» لاعطاء الاقلية فرصة، مجرد فرصة، لاجراء تعديلات على تلك القوانين العوراء التي مثلت، وبحق، وجهة نظر اصحابها وحدهم، وليس وجهة نظر البرلمان الكويتي الذي يقع مبناه في موقع مختلف جغرافيا عن مواقع تلك الجواخير؟ وهل يجوز دستوريا عقد جلسات برلمانية خارج مبنى البرلمان؟ واذا كان ذلك يجوز، على سبيل الجدل، فما مغزاه سياسيا اذا كان امرا آخر غير استبعاد شركاء الوطن عن عملية صنع القرار السياسي، وهل تحتاج تلك الاغلبية الى تذكيرها بالرجل الذي دخل عليهم برلمانهم الخاص الواقع خارج مبنى البرلمان الرسمي في اولى جلساتهم فقيل له انه ليس مدعوا ولن يعدوه الا ضيفا اجتماعيا؟ هل هذا النموذج السياسي الاعور الذي يصنف المجتمع وقواه الاجتماعية والدينية والسياسية هو النموذج الذي يراد له اليوم ان «يحكم» بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى عام ومعنى اصطلاحي وقانوني ودستوري وسياسي؟
فتجربة اغلبية برلمان عام 2012 المبطل كانت تجربة سياسية احادية، استئصالية، اقصائية، معادية لمبدأ الحوار المجتمعي، وبالتالي عاجزة عجزا سياسيا ذريعا عن استيعاب وتنفيذ مبدأ التعايش المجتمعي الذي يدل على النضج السياسي، فالنضج السياسي يعني، ضمن ما يعنيه، ان تتمكن الاغلبية من مجالسة ومناقشة الاقلية، واقناعها او الاقتناع الجزئي ببعض آرائها السياسية، كما ان النضج السياسي يتضمن، ضمن ما يتضمنه، ان تقوم الاغلبية بعدّ الاقلية شريكا سياسيا ووطنيا وشريكا اساسيا في لجان البرلمان بلا استئصال او اقصاء يدل على ضيق الافق السياسي لمن يتبناه.
فتلك الامور كلها، وغيرها من خطايا اخرى وقعت بها اغلبية 2012 المبطل، اوقعت المجتمع الكويتي بقواه الاجتماعية والسياسية واقلياته القبلية والمذهبية والطبقية ايضا في دائرة مغلقة لا يمكن الخروج منها، كما اوقعت اقليات المجتمع في حصار غير اخلاقي من جانب قوى متغطرسة رافضة لمبدأ الحوار، قوى تحالفت لهدف غير اخلاقي تمثل في الرغبة في عزل قوى مجتمعية لا بأس بحجمها مع ان الحوار من مصلحة الاغلبية لتكريس سيطرتها على اقل تقدير، بل ان تلك الاغلبية لم ترض ان تطبخ قوانينها داخل مبنى البرلمان الذي تسيطر اصلا هي وحدها عليه، والسبب هو ان الآخر، اي اقلية مجلس 2012 المبطل، سيكونون موجودين معهم في البرلمان الرسمي، فالحوار ممنوع عندهم، ومادام الحوار ممنوعا فاجتماعات طبخ القوانين التي يقرها البرلمان يجب ان تتم في اي مكان خارج البرلمان كالجواخير مثلا، منعا لاحراج الاغلبية واجبارها على محاورة شركائها في الوطن وهم باقي مكونات المجتمـــع الكويتي من قبائـــل صغيـــرة نسبيا، ومن طوائـــف اخرى، ومن طبقات اقتصادية اخـــرى.
تقليص عدد أصوات الناخــب
فالخلاصة، هي ان برلمان 2012 تمثلت مشكلته الاساسية في ان من لا يجيد الحوار السياسي، او لا يريد الحوار اساسا، ولا يؤمن بالتعددية سياسيا او مجتمعيا، قام بالسيطرة عليه، باعتبار ان الحوار في تحليلهم يقلل من درجة سيطرتهم على البرلمان وعلى مجمل الوضع السياسي في البلد، فهذا هو مبلغ علمهم سياسيا، باعتبار ان الحوار سيؤدي عمليا الى تنازلهم عن نقطة بسيطة هنا واخرى هناك، فكان الحل الاسهل من وجهة نظرهم السياسية هو الاقصاء والاحادية في الممارسة السياسية، ومادام الفكر الاحادي، والممارسة الاقصائية، هما الملمحان البارزان لدى القوى التي شكلت تلك الاغلبية البرلمانية السابقة التي كانت موجودة في المجلس المبطل، ومادام ما نغص الحياة السياسية في الكويت في تلك الفترة العصيبة التي تم فيها التغييب لقوى سياسية مع انها كانت موجودة داخل البرلمان المبطل ذاته، باعتبارهم اقلية تم عزلها بالكامل داخل البرلمان، كما تم تغييب قوى مجتمعية مهمة ولها حقوق علينا جميعا، وهي القبائل الصغرى «نسبيا» التي لن تتمكن من الوصول الى البرلمان مستقبلا في ظل شكل التحالفات بين قوى الاغلبية المبطلة السابقة، مما سيوصلنا الى طريق سياسي مسدود، «تغيب» فيه قوى سياسية مع انها موجودة في البرلمان، مادامت الاقلية لا يسمح لها بالمشاركة وابداء الرأي في شكل القوانين او حتى تفاصيلها، كما لا يسمح لها بالمشاركة في لجان المجلس، هذا فضلا عن غياب قوى مجتمعية غير موجودة اصلا في البرلمان المبطل او البرلمان المقبل مادامت آلية التصويت ثابتة.
ولن يتمكن المجتمع، بأقلياته الموجودة داخل البرلمان او خارجه، مع ان مجموع قواها هو اكثر بكثير مما يسمى بأغلبية مجلس 2012 المبطل، لن يتمكنوا من ممارسة حقهم في ابداء آرائهم السياسية والمشاركة في طبخ قوانين بلدهم او نيل حقهم في عضوية لجان برلمانية مهمة مادام الاقصاء السياسي هو ديدن اغلبية مجلس 2012 المبطل، سواء أكان ذلك الاقصاء موجها ضد قوى ممثلة برلمانية يتم عزلها داخل البرلمان أو ضد قوى مجتمعية غير ممثلة برلمانيا يتم منعها من الوصول الى البرلمان عبر آلية التصويت الحالية المتمثلة في اعطاء اربعة اصوات للناخب الواحد.
وبناء على هذه القراءة للواقع السياسي، فإننا نظن ان قصر الاصوات التي يدلي بها الناخبون على صوت واحد فقط سيعطي فرصة عادلة لجميع مكونات المجتمع الكويتي الفعلية، مثل الاقليات القبلية، ومثل ابناء منطقة الجهراء المهضومة وغيرهم، سيعطيهم الحق والفرصة في المشاركة السياسية الفاعلة، وفي الحصول على آذان حكومية وبرلمانية تنصت لهم، وتعطيهم حقوقهم، بعيدا عن تحالفات الاقصاء الخطيرة سياسيا، وبذلك سنصل الى وضع سياسي متوازن يجبر جميع قوى المجتمع على تعلم صفة التواضع، والانصات للآخرين، والتعامل معهم، ومحاورتهم، واحتضانهم، والتعايش مع الجميع، بل واعتبارهم موجودين في المجتمع، وبالتالي يتم اجبار القوى السياسية الاقصائية على التخلي عن مسلكها السياسي المنحرف المتمثل في انتهاج طريق الممارسة السياسية الاقصائية غير التحاورية.