Note: English translation is not 100% accurate
خطبة الجمعة: على الناخب أن يختار من يعتقد أنه أكفأ من غيره
23 نوفمبر 2012
المصدر : الأنباء
أسامة أبوالسعود
عممت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية خطبة الجمعة على مختلف المساجد وتناولت موضوع الأمانة بشيء من التفصيل، حيث أوضحت الخطبة ان الأمانة عظيم قدرها، كبير شأنها في دين الله، لذلك جاء الأمر بتحقيقها ورعايتها، موضحة أن كثيرا من العامة يقر الأمانة في أضيق معانيها حتى لقد انحسر مفهومها عندهم في حفظ الودائع وحسب، مع ان حقيقتها في الإسلام أضخم وأثقل ومفهومها أوسع وأشمل.
وجاء في الخطبة: اذا عرفنا قدر الامانة ومكانتها في دين الله ـ عز وجل ـ والنصوص الواردة فيها، فانه يبقى جانب مهم تجب معرفته لدى كل مسلم، لاسيما وقد جهله كثير من الناس، الا وهو «مفهوم الامانة»، فان كثيرا من الناس يقصرون الامانة في اضيق معانيها، حتى لقد انحسر مفهومها عندهم في حفظ الودائع وحسب، مع ان حقيقتها في الاسلام اضخم وأثقل، ومفهومها اوسع وأشمل.
ان الامانة ـ في شرع الله ـ عظيمة المعنى، واسعة الدلالة، تحمل في طياتها معاني شتى، يجمعها: شعور المسلم بتبعاته، وقيامه بمسؤولياته في كل امر يوكل اليه ويكلف به من امور الدين والدنيا، ويقينه الجازم: انه مسؤول عنه امام الله عز وجل، ليقوم بكل ما اسند اليه من حقوق الله وحقوق عباده على خير وجه.
وقد اتفقت اقوال اهل العلم على ان المراد بالامانة في آية الاحزاب (انا عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال فأبين ان يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان انه كان ظلوما جهولا)، جميع التكاليف الشرعية، فمن قام بها فقد ادى الامانة، واستحق ثواب الله، ومن تساهل فيها فقد عرض نفسه للخيانة، وما تجلبه من سخط وعقوبة في الدنيا والآخرة.
ان مقياس حضارة الامم، ومعيار رقيها وتقدمها، انما هو بنزاهة افرادها، وأمانة ابنائها، فلا خير في امة سادتها الخيانة، واستشرى فيها الفساد والغدر، والاضاعة والمكر، ولاتزال الامة بخير ما دامت قائمة بالامانة، واذا اختل هذا الامر: تصدع بنيانها، واختل نظامها، واستشرى فيها الفساد بجميع جوانبه وصوره.
ان الامانة مصدر الفلاح، وينبوع الخير والصلاح، صاحبها محمود عند الله والناس، ما ارتفعت امة الا بها، ولا ازدهرت الا بسببها، ولا راجت بضاعة بغيرها، ولا صلحت معاملة بسواها، وان ما يعانيه كثير من المجتمعات، من الخيانة والفساد بجميع انواعه: الفساد الاداري، والوظيفي، والمالي، وغير ذلك ـ انما هو بسبب تقصير ابنائها في الامانة، وما بليت امة الاسلام بأشد من وجود الخونة الظلمة، الجائرين، الجهلة، المتسلطين على عباد الله بحرمانهم وبخسهم حقوقهم، ونيلهم من كرامتهم واختصاصاتهم المادية والمعنوية.
ان من الامانات العظيمة الواجب حفظها «مصالح الوطن»: حيث تسبق مصالحه مصالح الوالد والولد، كما ان ولاءه وحفظه من الاضطرابات والغوائل، مقدم على ولائنا وانتمائنا للقبائل والعوائل، والحرص على بحبوحة عيشه وسلامة امنه من الاضطراب، هو الميزان الذي توزن به الطوائف والتحالفات والاحزاب.
فكل واحد منا معاشر الاخوة الاخيار: مسؤول عن حفظ بيضة هذه الديار، ومطالب ان يضع يده في ايدي الصادقين الابرار، واياك ثم اياك ان يؤتى الوطن من ثغرك، وليكن لسان حالك: نحري دون نحرك، فطوبى لكم ان شكرتم الله تعالى على ما انتم فيه من النعم، وكنتم يدا واحدة في حفظه ودفع ما يتربص به من النقم، ومن كفر بهذه النعمة المسداة، وجحد وأنكر هذه المنة المهداة، فسيلبسه الله تعالى لباس الخوف والجوع، وسيصير بعد العزة والمنعة الى الذل والخضوع.
فاتقوا الله في هذا الوطن أيها المؤمنون، وراقبوا مصالحه فيما تسرون وفيما تعلنون (يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم اذ كنتم اعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته اخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) (آل عمران: 102 ـ 103)، واعلموا انكم جميعا مؤتمنون على امن هذا الوطن واستقراره، وتنميته وازدهاره، واعلموا انكم مسؤولون امام الله ـ عز وجل ـ عن هذه الامانة حفظتم ام ضيعتم، «فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» كما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني واياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، اقول ما تسمعون واستغفر الله العظيم لي ولكم، انه هو الغفور الرحيم.
معاشر المسلمين: تمر الكويت في هذه الايام بمرحلة هامة من حياتها، وفترة دقيقة من سني عمرها، حيث يختار الكويتيون نوابهم من خلال انتخابات مجلس الامة، ومن ينظر في حال المجتمع ير الانقسام والاختلاف في الرأي بين الناس بشكل لم يسبق، كل يدلي بدلوه فهذا ينصر هذا وذاك ينصر ذاك، وكل يزعم ان الحق معه، فمن الناس من يدعو الى المشاركة الفاعلة باختيار الصلحاء، ومنهم من يدعو الى المقاطعة، وفي خضم هذه المنازعات يأمرنا الله عز وجل بالرجوع الى كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما قال سبحانه (يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم فان تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) «النساء: 59» فالرجوع الى الكتاب والسنة وفهم العلماء فيما يتنازع الناس فيه هو المخرج دائما من الفتن، والعصمة من المحن.
أيها المؤمنون: ان الامانة عظيم حملها، ناءت بحملها السماوات والارضون، والانسان بظلمه وجهله يضيع امانة رب العالمين، وقد اشار المصطفى الكريم عليه افضل الصلاة وأزكى التسليم الى ان ضياع الامانة دلالة على قرب يوم الدين، كما روى البخاري في صحيحه عن ابي هريرة رضي الله عنه ان رجلا اعرابيا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم متى الساعة؟ فقال: اذا وسد الامر الى غير اهله فانتظر الساعة». وهذه اشارة من النبي صلى الله عليه وسلم الى حرمة اسناد الولايات العامة لمن ليس اهلا لها.
كما ان الحكم الشرعي في مسألة المشاركة والمقاطعة يدور حول المصالح الشرعية والمفاسد المتحققة في كل سبيل، وعلى المرء المسلم تحري الحق الذي سيسأل عنه امام الله عز وجل في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم.
معاشر الاحبة: ان اختيار النائب يجب ان يخضع لمعايير دقيقة وواضحة، وأن تتوافر الصفات التي يجب ان تتوافر في ممثل الامة، ولا ينبغي ان يكون اختيار المرشح مؤسسا على صداقات لا نستطيع تجاوزها، او قبلية مقيتة، او حزبية قاتلة، وتكون هذه الضغوط دافعا نحو اتخاذ قرار بالتصويت بما يخالف قناعتنا الداخلية ثم تأتي النتيجة النهائية على عكس ما نتمناه ونريده، ولذلك ينبغي على العبد المسلم ان يتحرر من ذلك كله وليعلم ان من الظلم ان يختار من لا يستحق الاختيار فالولاية العامة امانة، وانها يوم القيامة خزي وندامة.
ان الاختيار ينبغي ان يكون لاصحاب الكفاءة والعدالة القادرين على تحمل اعباء هذه الوظيفة المهتمين بالمصالح العامة، غير متأثرين بمصالحهم الشخصية والفئوية مقدمين المصالح العامة عليها، وهذه امانة الله تعالى في اعناقهم ولا يخرجون عن المسؤولية امام الله تعالى الا بالقيام بها على الوجه الصحيح لقول الله تعالى (ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات الى اهلها واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل ان الله نعما يعظكم به ان الله كان سميعا بصيرا) «النساء: 58»، فالكفاءة والقوة شرط من شروط الولاية العامة، فليس كل انسان قادرا على تحمل المسؤولية وان كان في ذاته صالحا ورعا تقيا، فهذا ابو ذر الغفاري رضي الله عنه كان من اتقى الناس وأعبدهم الا ان النبي صلى الله عليه وسلم قال عنه: «اني اراك ضعيفا».
كما ان الناخب اليوم عليه ان يختار من يعتقد انه اكفأ من غيره وأكثر عدالة وأمانة من سواه، ولا يجوز له شرعا ان يختار من هو اقل كفاءة او اقل عدالة وأمانة لمجرد قرابة او انتماء لقبيلة او جماعة، او لتحقيق مصلحة خاصة، قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله: فان عدل عن الاحق الاصلح الى غيره لاجل قرابة بينهما او صداقة، او مرافقة في بلد او مذهب او طريقة، او جنس كالعربية والفارسية والتركية والرومية، او لرشوة يأخذها من مال او منفعة او لضغينة في قلبه على الاحق، او عداوة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، ودخل فيما نهى الله عنه بقوله جل وعلا (يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا اماناتكم وأنتم تعلمون) «الانفال:27».
وان مما ينبغي التنبيه اليه، ان من اراد ان يختار من يمثله في دائرته ولم يجد الاصلح، فعليه ان ينظر الى الامثل فالامثل، اي: ان ينظر الى من هو اكثر صلاحا وقوة، وهكذا فاذا فعل ذلك بحسب اجتهاده فقد ادى الامانة، ولا يكلفه الله اكثر من مقدوره، لقوله سبحانه: (فاتقوا الله ما استطعتم) «التغابن: 16». قال شيخ الاسلام ابن تيمية: «وقد لا يكون في موجوده من هو اصلح لتلك الولاية، فيختار الامثل فالامثل في كل منصب بحسبه».
فاتقوا الله ايها المؤمنون واعلموا انكم جميعا مؤتمنون على امن هذا الوطن، فأحسنوا الاختيار لمن يمثلكم، واجتهدوا لما فيه مصلحة دينكم ودنياكم، واعلموا انكم مسؤولون امام الله عز وجل عن هذه الامانة، وتذكروا انكم ستقفون بين يدي الله عز وجل ويسألكم عن هذه الشهادة كما قال سبحانه (ستكتب شهادتهم ويسألون) «الزخرف: 19».