Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
«جنيڤ ـ 2» مشكوك بأمره ونجاحه
17 مايو 2013
المصدر : الأنباء


بدأت اتصالات ديبلوماسية وسياسية مع الجانبين الأميركي والروسي للإعداد للمؤتمر الدولي المقرر عقده في جنيڤ بداية الشهر المقبل، وتردد أن نائبي وزير الخارجية الأميركي وليم بيرنز والروسي ميخائيل بوغدانوف بدآ التواصل للإعداد للمؤتمر، وستحصل اليوم اجتماعات تنسيقية على مستوى المديرين السياسيين لوزارة الخارجية لمجموعة الـ 3 التي تضم الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ومجموعة الـ 5 أي الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي.
لكن مؤتمر «جنيڤ ـ 2» يواجه مجموعة من العقبات التي تدفع الى التشكيك في إمكانية انعقاده رغم وجود «توافق دولي» على تحاشي غرق سورية في حالة الفوضى العامة وتفكك بنى الدولة ورغم ارتفاع أعداد الضحايا التي تجاوزت الـ 90 ألف قتيل.
مصادر أوروبية ديبلوماسية تفند العناصر التي تجعلها متشائمة لجهة احتمال انعقاد المؤتمر ولجهة إمكانية توصله إلى نتائج إيجابية في حال حصوله ولخصتها كالتالي: مصير الرئيس السوري بشار الأسد، صلاحيات الحكومة الانتقالية المفترض تشكيلها وفق بيان جنيڤ ـ 1، وأخيرا الدور الإيراني، وتتبنى المصادر، بصدد النقطة الأولى، موقف المعارضة السورية التي تشترط رحيل الأسد لقبول الجلوس إلى طاولة المفاوضات باعتبار أن البند الذي يتحدث عن تشكيل حكومة انتقالية من النظام والمعارضة يعطي حق النقض للطرفين على وجود أشخاص في الجانب المقابل، لذلك، ترى هذه المصادر أن المعارضة «لا يمكن أن تقبل» بقاء الأسد في منصبه أو مشاركته في العملية الانتقالية.
غير أن الغربيين، رغم هذا الموقف المتشدد الذي أجهض بيان «جنيڤ ـ 1» منذ اليوم التالي لصدوره في 30 يونيو الماضي، يمكن أن يقبلوا بـ «تسوية» للتغلب على هذه العقبة تكمن في الحصول على تعهد من الجانب الروسي يضمن خروج الأسد من السلطة ليس في بداية العملية الانتقالية ولكن في نهايتها، ويفهم من ذلك أن الرئيس السوري قد يستطيع البقاء في منصبه ولكن من غير ممارسة أي صلاحيات إبان المرحلة الانتقالية على أن يضمن الروس عدم ترشحه للانتخابات الرئاسية القادمة.
أما العقبة الثانية فتتمثل في تحديد الجهة التي سيكون من صلاحياتها الإشراف على الجيش السوري وعلى أجهزة الأمن والمخابرات، وينص بيان جنيڤ على إناطة «كامل الصلاحيات» بالحكومة الانتقالية، والسؤال الذي تطرحه المصادر الغربية يتناول مدى استعداد الأسد للتخلي عن الإشراف على ما يشكل «الضمانة الأولى» لبقاء النظام بينما المعارضة السورية ترفض رفضا مطلقا استمرار تحكمه بالأداة القمعية التي يستخدمها على هواه، وتكمن العقبة الثالثة، بحسب تأكيدات المصادر الغربية، في استمرار رفض مشاركة إيران في المؤتمر الموعود لأن تطورا كهذا «سيعني الخلط بين ملف إيران النووي والملف السوري»، وتوفير الفرصة لإيران للمساومة.
وفي بيروت يرى محلل استراتيجي خبير في شؤون الشرق الأوسط أن المؤتمر الدولي الذي توافقت عليه واشنطن وموسكو أخير قد يولد ميتا إذا رأى النور، ويرجح أن تدفن «خطة جنيڤ» معه هذه المرة، في الأصل لم يكن متوقعا أن تتوافق واشنطن وموسكو على انعقاده بهذه السرعة بعد كل هذا الجمود والمماطلة والمناورة التي حالت دون تنفيذ ما تم التوافق عليه في «جنيڤ ـ 1»، لم تكونا مستعجلتين على رغم كل ما تشهده الحرب السورية من مآس وويلات ومجازر ومذابح وتهجير وتدمير، بل بدت الإدارة الأميركية أول من بادر إليه، لتصيب بذلك أكثر من هدف، أولها إعفاء الرئيس باراك أوباما من اتخاذ قرار مفصلي من الأزمة السورية، بعد كل الضجة التي أثيرت عن تجاوز نظام الرئيس بشار الأسد «الخط الأحمر» باستخدام محدود للسلاح الكيماوي، وثانيها تخفيف الضغوط التي بدأت تمارسها قوى في الداخل الأميركي والخارج من أجل التدخل وتوفير السلاح الفاعل لمجموعات معارضة.
لكن «تهافت» الإدارة الأميركية إلى «جنيڤ ـ 2»، مع ما رافقه من حديث عن تنازلات قدمتها إلى روسيا، ليس وحده الدافع، بل إن تلقف موسكو الفكرة نم عن رغبة مشتركة أميركية ـ روسية في كسب مزيد من الوقت، كأن الحوار الدائر بين الطرفين في كثير من الملفات لم ينضج بعد ويتطلب مزيدا من الوقت، لكن الملف السوري المتفجر شهد أخيرا تطورات أنذرت بتغيير قواعد اللعبة المستمرة من سنتين، وشكلت دوافع لتحرك سريع من أجل إعادة ترميم بعض «الخطوط الحمر» التي تجاوزها المتصارعون في الداخل واللاعبون الإقليميون.
بين هذه الدوافع التي تقلق واشنطن وموسكو، إضافة إلى الملف الكيماوي وخطر تكرار استخدامه واحتمال انتقاله إلى مجموعات متطرفة إذا صح ما قيل عن استخدامه على أيدي مجموعات مسلحة، هذا الصعود والانتشار المتناميان لحركات التطرف وعلى رأسها «جبهة النصرة»، وإطلاق عمليات التطهير المذهبي في مناطق عدة وما تستتبعه من مذابح ومجازر وجرائم حرب أخطرها ما يجري في القصير وحمص، وما تستدعيه عاجلا أو آجلا من مذابح مماثلة في أماكن أخرى من البلاد لن توفر أقليات ومكونات يدعي دعاة الحل السياسي أنهم حريصون عليها حرصهم على عدم تفكك سورية وتشظيها و«صوملتها»، وما تستولده من وقود جديد لتسعير الصراع المذهبي في الإقليم، ولعل أخطر الدوافع انخراط إسرائيل ميدانيا في الحرب عبر سلسلة من الغارات استهدفت ليس مواقع سورية فحسب بقدر ما استهدفت مستلزمات انخراط إيران وحزب الله عديدا وعتادا من صواريخ وأسلحة متطورة، ولم يقف هذا الانخراط عند هذه الحدود: أعلنت طهران أنها ستشكل حزب الله السوري بعد إعلان دمشق فتح جبهة الجولان أمام المقاومة، ورحب الحزب اللبناني مبديا الاستعداد لكل أشكال الدعم لهذه الجبهة.
أمام هذا الحضور الإقليمي الفاعل في الحرب السورية مضافا إلى هذه المجموعات المتعددة المشارب والبرامج التي تقاتل النظام، لم يعد الخطر يتهدد سورية الدولة والمؤسسات والمكونات، بل بات يهدد أيضا مصالح اللاعبين الدوليين ودورهم في رسم مستقبل هذا البلد، لذلك استعجلت الولايات المتحدة وروسيا الدعوة إلى مؤتمر دولي لإعادة إحياء بنود «خطة جنيڤ» التي أقرتها الدول الكبرى والجامعة العربية وتركيا قبل نحو عام، وأعيد بعث مهمة الأخضر الإبراهيمي التي لم تقدم ولم تؤخر فيما فعلته مهمة سلفه كوفي أنان حتى يوم استقالته، بالتأكيد ترغب الدولتان الكبيرتان في أن يكون لهما الدور الأساس في إدارة أزمة سورية وفي إيجاد تسوية سياسية لها مطابقة لصورة المستقبل الذي تريدانه لهذا البلد، من أجل ضمان مصالحهما فيه وفي بلاد الشام عامة.
لكن رغبة الدولتين الكبيرتين شيء وقدرتهما على تحقيق هذه الرغبة شيء آخر، يكفي النظر إلى تخبط كل من الأميركيين والروس في مواقفهم غداة الاتفاق على المؤتمر الدولي حيال رؤيتهم للحكومة الانتقالية، ودور الرئيس الأسد في المرحلة الانتقالية، ولائحة الدول والقوى المدعوة إلى «جنيڤ ـ 2»، ودور الجيش والمؤسسات الأمنية ومستقبلها.
رغبة الدولتين الكبيرتين شيء والواقع على الأرض السورية شيء آخر: لا ضمان في قدرة الروس على إقناع الرئيس الأسد والحلقة المحيطة به على البقاء بعيدا من الحكومة الانتقالية لئلا نقول إنهم لا يرغبون في ذلك، في المقابل لا قدرة للأميركيين على دفع المعارضة إلى الحوار مع النظام.
وعلت أصوات المعارضين المطالبين بوجوب تغيير موازين القوى قبل أي جلوس على الطاولة للتفاوض، وما لم يتحقق ذلك فإن الضغط على الائتلاف للقبول بالحوار وشروطه الأميركية قبل الروسية سيفضي إلى تمزيق ما بقي من هذا الهيكل التنظيمي، إضافة إلى تشتت المعارضة وحدود الضغط الذي يمكن أن يمارسه الروس والأميركيون على «حلفائهما» في سورية، هناك القوى الإقليمية، من إيران إلى إسرائيل، ومن العراق إلى تركيا ولبنان والأردن، والسعودية وقطر ومصر، باتت هذه الدول جزءا من الحرب القائمة، ولكل واحدة منها أسبابها الخاصة وأهدافها الجوهرية التي لا يمكنها التنازل عنها بيسر وسهولة، أيا كانت ضغوط الكبار.
حيال هذه الخريطة المعقدة والأسئلة المصيرية يكاد يكون مستحيلا أن يوفق المؤتمر الدولي في دفع «خطة جنيڤ» إلى حيز التنفيذ، لو كان الأمر بهذه السهولة لما بقيت الخطة في أدراج الأمم المتحدة، ان الصراع الإقليمي والدولي على سورية كان وراء انسداد الأفق أمام الحسم العسكري لمصلحة النظام أو خصومه، وكان وراء جمود أي مسعى لتسوية سياسية يبدو أن أوانها قد فات.