Note: English translation is not 100% accurate
جـولـة «حرية الصحافة» بين واشنطن ونيويورك "الحلقة الرابعة"
نيويورك مدينة واحدة و 800 لغة
24 مايو 2013
المصدر : الأنباء







واشنطن - ذعار الرشيدي
بين 29 أبريل و10 مايو نظمت وزارة الخارجية الأميركية رحلة حملت اسم «جولة حرية الصحافة» وضمت 20صحافيا من 19 بلدا، وحفل جدول الرحلة بنشاطات يومية ولقاءات مع قياديين وناشطين ومؤسسات تعليمية في كل من واشنطن ونيويورك.
ليس من السهل اختزال رحلة كتلك في بضع حلقات خاصة وأنها شملت مدينتي نيويورك وواشنطن بواقع 5أيام في كل مدينة. والحلقات التالية عرض لأهم المشاهدات التي سجلناها في تلك الرحلة التي ضمت صحافيين من مختلف أنحاء العالم من أوروبا وأميركا الجنوبية وأفريقيا وصحافيين اثنين فقط من الشرق الأوسط هما الزميل ذعار الرشيدي والمذيع التونسي حسام حمد.
التايمز سكوير قلب نيويورك النابض، لأنه لا يتوقف عن الحركة، ربما تهدأ الحركة به قليلا، ولكنها لا تتوقف، هذا المربع الصغير جدا الذي لا تتجاوز مساحته الكيلومتر الواحد يجمع العالم كله في تلك البقعة الصغيرة ما يجعله المكان الأكثر كثافة بل والأكثر اكتظاظا في العالم.
التايمز سكوير يختزل مفهوم السياحة الأسمنتية الحية، فـ80% ممن تشاهدهم في التايمز سكوير هم سياح قدموا من جميع أنحاء العالم، ليشاهدوا المعلم الذي طالما كان حاضرا في كثير من أفلام هوليوود منذ أكثر من 75 عاما، منذ أن تسلق كينغ كونغ بناية الأمباير ستيت في فيلم «هونغ الشهير» الذي انتج عام 1934.
وإذا ما أردت أن تشاهد كل ما يحويه هذا الكيلومتر الواحد فأنت بحاجة على الأقل إلى أسبوع كامل حتى تشاهد كل شيء، من مسارح ودور سينما ومعارض وأسواق ومتاحف.
سياحة إسمنتية ناجحة
ومنذ خمس سنوات وسنويا يزور نيويورك ما متوسطه 40 مليون سائح يأتون من داخل وخارج الولايات المتحدة الأميركية، وسبب القول أن السياحة في نيويورك تعتبر سياحة اسمنتية أنها تعتمد على مبان وناطحات سحاب فالواجهات السياحية تشمل الأمباير ستيت، وتمثال الحرية، وجزيرة إيليس، ومسارح برودواي، والمتاحف الشهيرة مثل متحف المتروبوليتان للفنون ومتحف مدام توسو وسط التايمز سكوير، وكذلك المساحات الخضراء القريبة منه مثل سنترال بارك وحديقة واشنطن سكوير، ومركز روكفلر الذي يعتبر قلب المدينة التجارية، بالإضافة إلى مراكز التسوق الفخمة على طول الجادة الخامسة وميدان ماديسون، ومن العوامل التي نجذب السياح أيضا المناسبات مثل عيد القديسين في قرية غرينتش، عروض عيد الشكر لدى مركز مايسيز، ومعرض اليوم في سانت باتريك، وكذلك المواسم الشتوية مثل التزلج على الجليد في حديقة سنترال بارك، ومهرجان ترايبيكا السينمائي، والعروض المجانية في سنترال بارك خلال الصيف، وكذلك حديقة حيوان برونكس، كوني آيلاند، وحديقة نباتية جديدة في نيويورك وغيرها، وبحسب الإحصائيات فقد حطمت نيويورك في عام 2010 رقما قياسيا في عدد السياح الذي وصل إلى 49 مليون سائح، وفي 2011 وصل عدد السياح إلى 50 مليونا.
نيويورك رغم جمودها الأسمنتي إلا أنها مدينة دافئة، وصلناها بداية الأسبوع الثاني من شهر مايو، وكانت تتعرض لطقس متقلب بسبب ما يعرف بـ« الانقلاب الربيعي» أو ما نعرفه بالكويت بـ« السرايات»، ولكن سرايات نيويورك أكثر عنفا وتقلبا من سرايات الكويت، فدرجة الحرارة في شهر مايو يمكن أن ترتفع إلى 28 درجة وتنخفض في أقل من 3 ساعات إلى 8 درجات وتصحب هذا التقلب أمطار متواصلة.
نيويورك ليست القلب التجاري لأميركا، ولا القلب الثقافي فقط، بل هي القلب الصحافي، منها ومن التايمز سكوير تايم تحديدا انطلقت كبرى الصحف الأميركية في بدايات القرن الماضي وهي صحيفة نيويورك تايمز، والتي وبسببها عرف الميدان باسم «التايمز سكوير» وذلك عندما قرر ناشر النيويورك تايمز أدوولف أوش أن يكون مبنى جريدته في أول ناطحة سحاب بنيت في الشارع عام 1904 وبعدها عرف الشارع أو الميدان الواقع على تقاطع شارع 42 باسم «التايمز سكوير» على اسم الصحيفة النيويوركية، اي أن سبب تسمية الشارع الأكثر شهرة في العالم... صحيفة.
سميط... أم بريتزل
أغلب عربات الأغذية التي تنتشر على أطراف التايمز سكوير وتباع فيها الأطعمة الخفيفة يعمل فيها عرب، وطبعا لا يمكن أن تصيبك الدهشة وأنت ترى معجنات «سميط» تباع في أي من تلك العربات، وطبعا يعرف هناك بـ «بريتزل»، وعندما سألت البائع المصري عنها قال لي:« دي سميط بس بيدلعوها في نيويورك ويسموها بريتزل».
المهاجرون العرب.. تسكنهم همومهم
لم نجد بائعا عربيا في التايمز سكوير إلا وكانت بداية حديثه معنا بعد تبادل السلام الحديث بإسهاب عن هموم بلده ليدخل معنا في حوار طويل عريض عن بلده وما يحدث فيها سياسيا واجتماعيا، وعندما نسأله عن أميركا أو نيويورك نجد أنه لا يعرف الكثير عما نريد معرفته خاصة أسماء المسارح والمتاحف.
يتاجرون بـ«الحلال»
معظم الباعة العرب يزينون عربات الأكل الخاصة بهم بآيات قرآنية أو كلمة «حلال»، وعندما سألناهم عن سر هذا الترويج قال أحدهم ويدعى محمد علاي جزائري ويحمل الجنسية الأميركية: «الحلال هو نوع من الترويج لزبائننا من المسلمين ممن يرتادون هذا الشارع يوميا، وكذلك نستهدف السياح العرب وهم كثيرون بالمناسبة»
وعندما طالبنا علاي بأن يقدم لنا نسبة السياح الذين يلتقيهم يوميا إلى نسبة زبائنه المعتادين أو من السكان قال:« أعتقد أن 3 من أصل 10 من زبائني هم من السياح العرب أغلبهم من الخليج ومن مصر ولبنان».
شارع المليار دولار
بمجرد مرورك من شارع برودواي لابد وأن تستشعر بأن روح الثقافة الترفيهية في العالم تتجسد حاضرة أمام عينيك، وتلمسها أمام كل بوابة من مسارح برودواي وكل ركن، خاصة إذا ما علمت أن أغلب نجوم هوليوود مروا من هنا، فقط ليحصلوا على صك براءة اعتراف بإبداعهم، عدا ذلك يعتبر هذا الشارع الذي يضم 40 مسرحا متنوعا «دجاجة تبيض ذهبا» إذ يحقق سنويا أكثر من مليار دولار أميركي من بيع تذاكر المسرحيات المعروضة.
مدينة بـ 800 لغة
تعتقد وسائل الإعلام الأميركية ومنها النيويورك تايمز نفسها أن نيويورك هي مدينة تتحدث بـ 800 لغة مختلفة، ما يجعلها المدينة الأولى في العالم أجمع من حيث تعدد اللغات في مساحة جغرافية ضيقة، ويمكن أن يدخل هذا الرقم في دائرة المستحيل إذا ما علمنا أن عدد سكان نيويورك لا يتعدى الـ 20 مليونا، ولكن ما يكسر حلقات المستحيل تلك أن نيويورك ومنذ قرنين من الزمان وهي تقوم ولا زالت تقوم على المهاجرين الذين يفدون إليها من أصقاع الدنيا.
لغة الرجل الواحد
وحتى نقرب صورة هذا العدد الكبير من اللغات في هذه البقة الجغرافية الصغيرة، لا بد أن نعرف قصة الأندونيسي حسني حسين ويبلغ من العمر 68 عاما، مهاجر من أندونيسيا وهو الوحيد في نيويورك كلها الذي يتحدث لغة «ماموجو»، وقد التقته صحيفة «نيويورك تايمز» في تحقيق مطول عن تعددية اللغات في المدينة، وقال: «أنا الوحيد الذي يتحدث هذه اللغة الريفية الأندونيسية القديمة فزوجتي لا تتحدث بها فهي من أندونيسيا ولكنها من أقليم جافا، وأولادي لا يتحدثون بها لأنهم ولدوا في جاكرتا ولا يتقنون سوى الإنجليزية، وأنا لا أتحدث بها إلا عندما أتصل بشقيقي عبر الهاتف»، وربما هذا يفسر سبب تعددية اللغات التي تضمها نيويورك أكثر من أي بلد في العالم.
صحافة عرقية
يوجد في نيويورك نحو 18 صحيفة عرقية مطبوعة وتصدر بلغات غير إنجليزية ومنها 7 باللغات الصينية المتنوعة و5 باللغة الإسبانية و3 صحف باللغة الپولندية و3 باللغة الكورية و3 تعنى بشؤون المهاجرين الأفارقة وتصدر بالإنجليزية والسواحلية والفرنسية، وصحيفة واحدة باللغة اليونانية وأخرى بالإيطالية وأخيرا صحيفة بالأوردو موجهة للمهاجرين الباكستانيين والهنود.
وبحسب لقاء جمعنا بعدد من ناشري تلك الصحف في جامعة نيويورك للصحافة، أبلغونا أن صحفهم تعنى بهموم المهاجرين الجدد في الغالب وتكون مجرد رابط بين المهاجرين وبلدانهم الأصلية، وفي الوقت نفسه تبني جسورا لهم مع المجتمع الأميركي حتى ينخرطوا به ويعرفوا حقوقهم وواجباتهم بحسب المجتمع الجديد الذي أصبحوا جزءا منه.
وخلال محاضرة جمعت رؤساء تحرير وناشري عدد من تلك الصحف العرقية تحدثوا عن تجربتهم، وأجمعوا على أن خلق مصطلح «الصحافة العرقية» غير مستغرب، خاصة أن نيويورك بلد مهاجرين ومن الطبيعي أن ينشأ فيه مثل تلك الصحف التي تخاطب أبناء عرقيات محددة.
جامعة كولومبيا
زيارتنا المهمة في نيويورك كانت إلى جامعة كولومبيا التي تمنح سنويا أهم جائزة صحافية في العالم منذ العام 1917 وهي جائزة بوليتزر نسبة إلى رائد الصحافة الأميركية جوزيف بوليتزر، وخلالها تحدث استاذ الصحافة سري سيركانفاهسون عن إنشاء الجامعة وكيف تبرع لها جوزيف بوليتزر بـ 20 مليون دولار عام 1906 كنوع من الدعم، مطالبا الجامعة بتدريس الصحافة فيها كعلم قائم، وهو الأمر الذي قابلته جامعة كولومبيا بالرفض يومها قائلة: «نحن لا ندرس النجارة ولا الفلاحة، فكيف ندرس الصحافة؟»، وكانت وجهة نظر أمناء الجامعة يومها أن الصحافة لا يجدر أن تكون علما إنسانيا يستحق الدراسة، ولكن هذا الأمر تغير بعد سنوات وتم قبول التبرع، وأصبحت الجامعة ثاني جامعة في الولايات المتحدة الأميركية تدرس الصحافة كعلم إنساني بل اصبحت تقدم سنويا جائزة التميز الصحافي باسم جوزيف بوليتزر تقديرا منها لمساهماته كرائد من رواد الصحافة الأميركية.
ويرأس البروفيسور سري قسم الصحافة الرقمية وهو أول من رأس هذا القسم الذي استحدثته الجامعة قبل 4 سنوات لتواكب التطور التكنولوجي الهائل الذي غير وجه الصحافة وحولها من مقروءة إلى إلكترونية أو رقمية.
وخلال محاضرته قال سري: «إن مستقبل الصحافة الآن تغير كثيرا وأصبح على الصحافي أن يكون شاملا بحيث يكون هو صانع الخبر ومتابعه وكذلك موزعه عبر وسائل التواصل الاجتماعي وأيضا المصور للأحداث التي يغطيها»، مشيرا إلى ان المستقبل سيكون للصحافي الشامل بعيدا عن مفهوم الصحافي التقليدي الذي يكتفي بمتابعة الخبر أو رصده.
تمثال الحرية مغلق
عند وصولنا كان تمثال الحرية مغلقا للصيانة دون أن يتحدد وقت لإعادة افتتاحه، ولكن لا يمكن لأحد أن يزور نيويورك دون أن يقوم بزيارة حديقة النصب التذكاري الوطني الذي أقيم إحياء لذكرى ضحايا هجمات 11 سبتمبر وعددهم حوالي ثلاثة آلاف شخص.
وداخل الحديقة، تم بناء حوضين بشلالين كبيرين من المياه على الجدران بحيث تتدفق المياه إلى الأسفل ونقشت على جدران البرونز المحيطة بالشلالين أسماء الاشخاص الـ 2983 الذين قتلوا في هجمات 11 سبتمبر بالإضافة إلى أسماء 6 اشخاص قتلوا في الانفجار الذي طال برج التجارة العالمي عام 1993.
وتكلف النصب التذكاري أكثر من 700 مليون دولار وسيتطلب 60 مليون دولار سنويا للحفاظ عليه، ويعتقد أنه واحد من أكثر النصب التذكارية تكلفة في العالم.
وأقيم الشلالان في نفس موقع برجي التجارة العالمي اللذين كانا يتكونان من 110 طوابق، وبحسب التعريف الذي قدمه مرشد الجولة فإن الشلالين يهدفان رمزيا إلى إحلال روح من السلام والتأمل.