Note: English translation is not 100% accurate
تقرير إخباري
العلاقات التركية مع إيران وإسرائيل وأميركا
29 يناير 2014
المصدر : بيروت
يمر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بفترة حرجة، فهو لم ينجح في دفع تهمة الفساد عن شخصيات نافذة في حكومته التي كانت توصف بحكومة اليد البيضاء، حيث تفاعلت عمليات الكشف عن قضية الفساد والرشوة في المجتمع التركي سواء عند الإسلاميين أو العلمانيين الذين يشككون في قدرة الإسلام السياسي على قيادة تركيا الأتاتوركية.
وزاد الطين بلة، تراجع النمو الاقتصادي التركي وتسجيل إخفاقات في سياسة تركيا الخارجية على أكثر من صعيد.
ومن المستبعد نجاح أردوغان في ترميم وضعه الداخلي قبل الانتخابات النيابية التي تجري في مارس المقبل، لكن باستطاعته إعادة ترسيم سياسته الخارجية.
بدأت تركيا تراجع حساباتها وتنظر إلى ما يجري حولها من تغيرات إقليمية، وشرعت في بناء سياسة تعكس تراجعا ديبلوماسيا كبيرا في الملف السوري أثار استغراب حلفائها القدامى في قطر والسعودية، والتطور الأبرز ما حدث من تقارب إيراني ـ تركي مفاجئ لا يمكن قراءته بمعزل عن التطورات السياسية التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، خصوصا بعد الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة (5+1) وإعلان وزيري الخارجية الإيراني والتركي في طهران التوصل إلى إطار تفاهم مشترك لحل الأزمة السورية.
العلاقات التركية ـ الإيرانية
على الرغم من التباينات الهامة والبارزة، ونظرا إلى الدور الذي تلعبه الدولتان في منطقة الأزمات المستمرة، يمكن القول إن العلاقات بين إيران وتركيا تعيش حالة من التأرجح الدائم بين التنافس والتعاون. فهاتان الدولتان الكبريان بالمفهوم الإقليمي تجتمعان على المصالح المشتركة، وتختلفان في كل ما عدا ذلك.
ولهذا اختارا معا التنافس في ظل التعاون من منطلق واقعهما كبوابتين للشرق والغرب، فهناك أسباب جوهرية للتعاون من خلال نقاط الاتفاق والمصالح المتبادلة وليس نقاط الخلاف مع أن سورية وشمال العراق مهمة لكلا الطرفين ولكن الأهم أيضا هو استقرار المنطقة.
ولهذا مهما كانا في تنافس فيما بينهما فهما محكومان بالتعاون لأسباب كثيرة:
٭ العلاقات بين إيران وتركيا لا ترتبط فقط بحقبة ما، فهناك الإرث الثقافي والتاريخي والموقع الجيوبوليتيكي وموقع الجيرة والمعضلات الإثنية سواء في تركيا أو إيران أو تلك المشتركة بين البلدين مثل القضية الكردية، كما أن «الموزاييك» الذي يتكون منه البلدان يؤثر على تلك العلاقات.
وبما أن الدولتين هما الأقوى في المنطقة اقتصاديا وجيوبولتيكيا، وبما أن تركيا بوابة إيران إلى الغرب وإيران بوابة تركيا إلى آسيا، فإن البلدين يحتاجان إلى بعضهما.
٭ تركيا تحتاج إلى النافذة الإيرانية لاستعادة دورها كشريك في الحل السياسي السوري والحل على مستوى المنطقة، كما تحتاج إلى الاستعانة بطهران لإعادة ترتيب العلاقات مع سورية التي يبدو أن التغيير في نظام حكمها في هذا الوقت بات صعبا، كما أنها بحاجة لإيران لمنع تحرك العلويين في الأراضي التركية.
٭ المصالح الاقتصادية المتبادلة لجهة التجارة والاستثمارات وموارد الطاقة وخطوط النقل حيث لا مصلحة لأحد منهما بإضعافها، خصوصا في ظل محاولات خنق إيران اقتصاديا وحماية تركيا لاقتصادها الصاعد من تأثيرات الأزمة الاقتصادية العالمية.
٭ الإدراك التام أن الصدام المباشر بينهما، في ظل توازن الرعب، هو تدمير لكل منهما، لذا فمن الأرجح أن يظل التنافس على النفوذ الإقليمي يغلي تحت السطح بدلا من بروز صراع شامل.
٭ خشية تركيا من تصاعد قوة الأكراد ومن إمكانية قيام كيان كردي في المناطق الكردية في سورية. وثمة اعتقاد أن تركيا ما عاد يهمها بقاء الأسد أو رحيله، بقدر اهتمامها برؤية نهاية سريعة للأزمة السورية، قبل أن تجد نفسها أمام متغيرات جيوسياسية على تخومها، ستؤثر لا محالة على داخلها المضطرب وغير المستقر أصلا.
٭ تركيا وإيران تواجهان بقلق تزايد قوة ونفوذ الجماعات الإسلامية المتطرفة في الساحة السورية، خصوصا تلك المرتبطة بتنظيم القاعدة.
فتركيا تخشى من تسرب هذه الجماعات إلى الداخل التركي خاصة بعد المناوشات الأخيرة بين الجيش التركي وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش»، المرتبط بتنظيم القاعدة، على الحدود التركية ـ السورية. وإيران ترمي من الانفتاح إلى الحصول على تعاون على مستوى ضبط حدودها ومنع إدخال المسلحين الأجانب إلى سورية من الأراضي التركية للقتال إلى جانب المعارضة. ومن المتوقع أن تكون الدولتان اتفقتا على الحل السياسي للأزمة السورية، وبأي شكل من الأشكال، سواء بوجود الأسد أو من دونه، على أن يؤدي هذا الحل إلى إزاحة القوى المتطرفة عن الساحة السورية، حتى لو اقتضى الأمر تشكيل تحالف دولي وإقليمي من أجل محاربتها، وأن يضمن ذلك مصالح تركيا الاقتصادية في سورية.
٭ إيران تعمل على اختراق الإسلام السياسي في المنطقة، بهدف إطفاء الفتنة السنية ـ الشيعية التي انعكست سلبا على موقع إيران ودورها في المنطقة، وهذا ما دفعها إلى طرق الباب التركي كونها تحتاج إلى قارب نجاة في هذه المرحلة.
٭ اعتقاد تركيا بأن بإمكانها الاستفادة من الظروف الجديدة التي يخلقها الاتفاق الإيراني ـ الأميركي لتكون جسرا بين إيران الخارجة من العزلة الاقتصادية والسياسية، وبين الدول الغربية التي تريد أن تدخل الساحة الإيرانية، إضافة إلی أن تركيا بحاجة للنفوذ الإيراني في كل من العراق وسورية ولبنان من أجل إعادة صوغ سياساتها الخارجية والاقتصادية سواء في إيران أو في دول المنطقة.
٭ في ظل التجاذبات المذهبية والقومية والطموح الإيراني في المنطقة، من الصعب تصور تقدم العلاقات الإيرانية ـ الخليجية، مما يدفع بتركيا لأن تكون الصديق الاستراتيجي لإيران خصوصا في حال تحرك الاقتصاد الإيراني بعد تخفيف العقوبات الاقتصادية.
٭ تركيا تعيش نوعا من العزلة الإقليمية بعد سقوط نظام «الإخوان المسلمين» في مصر وتدهور العلاقة مع الخليج بشكل كبير وضبابية الرؤية في سورية، كما أن إيران وفي ظل تدهور العلاقة مع السعودية إلى مرحلة غير مسبوقة والعلاقات العادية جدا مع دول الجوار العربي باستثناء العراق وعمان، تجد نفسها في حاجة إلى شريك سني في المنطقة، تنسج معه علاقة إستراتيجية لمواجهة من يشتركان على تعريفه بالخطر، والشراكة هنا لا تعني تركيا فقط، بل الحركات التي تدور في فلك تركيا أو تتأثر بها.
العلاقات التركية ـ الإسرائيلية: تحسن حذر
على رغم الخلاف، خصوصا بعد حادثة السفينة مرمرة، فإن التحالف بين تركيا وإسرائيل مازال موجودا حتى الآن، والإشكال الذي حصل في العلاقة تم احتواؤه، والحكومة التركية لم تصل إلى درجة التصعيد النهائي ولم تقطع علاقاتها الديبلوماسية والاقتصادية مع إسرائيل. وحجم التبادل التجاري بين البلدين ظل ثابتا عند مستوى ستة مليارات دولار على مستوى الاستيراد والتصدير على رغم التأزم في بعض الملفات السياسية.
وهذه العلاقات مرتبطة بمسارات إستراتيجية عدة، أولها أن البلدين يشكلان جزءا من التحالف الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة وأوروبا وحلف الناتو.
إسرائيل وتركيا تقتربان من التوصل إلى اتفاق بشأن تعويض عائلات الضحايا الأتراك التسعة الذين قتلوا في أحداث مرمرة عام 2010، وتركيا أبدت خلال اجتماع عقد بين الجانبين في إسطنبول قبل مدة مرونة تمثلت في خفض مبلغ التعويض.
عوامل عدة ساهمت في نضوج الاتفاق المبدئي لحل قضية التعويضات، منها أن تركيا لعبت دورا إيجابيا فيما يتعلق بالملف السوري كجزء من التحالف الغربي ـ الأميركي ضد النظام السوري، وتحولت إلى حاضنة للمقاومة السورية.
وهناك عامل آخر يتمثل في تعرض الحكومة التركية لهزة كبيرة ارتبطت بفساد أبناء بعض الوزراء، الأمر الذي دفع رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان لمحاولة تعويض الخسارة الداخلية من خلال إنجاز خارجي يتمثل في تعويضات سفينة مرمرة.
أما إسرائيليا، فإن حكومة نتنياهو في حاجة إلى بعض الانفراجات مع الحكومة التركية في ظل عدم وضوح العلاقة مع مصر.
ويربط محللون إسرائيليون بين تكثف الجهود لإعادة العلاقات لطبيعتها بين تركيا وإسرائيل لمسارها الطبيعي وبين التحولات الإقليمية الأخيرة في المنطقة والمرتبطة باتفاق جنيف بين إيران والدول العظمى. ذلك أن إسرائيل ترى المنطقة على عتبة تحول شبه إستراتيجي يحتم عليها إعادة النظر في خريطة تحالفاتها، خصوصا مع تلك التي تتعارض مع السياسة الإيرانية وفي مقدمتها تركيا.
وما يهم إسرائيل من خلال مساعيها الحثيثة لحل الأزمة مع تركيا وتقديم إغراءات اقتصادية وعسكرية هو استثمار العلاقة مع أنقرة في مواجهة الملف الذي تعتبره إسرائيل الأخطر وهو الملف النووي الإيراني.
العلاقات التركية ـ الأميركية: توتر مستمر
على الرغم من ارتفاع سقف الموقفين الأميركي والتركي في مؤتمر «جنيف 2» من النظام في سورية، غير أنه لم يسجل حصول أي تواصل جدي بين وزير الخارجية التركية أحمد داود أوغلو ونظيره الأميركي جون كيري على هامش المؤتمر، في مؤشر إضافي على التوتر بين البلدين بدأ مع رفض رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان التجاوب مع دعوة الرئيس الأميركي باراك أوباما لتطبيع العلاقات مع إسرائيل.
مؤشر آخر تمثل في إعلان الپنتاغون أن وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل أجل زيارة إلى أنقرة كانت متوقعة.
ومنذ آخر زيارة لأردوغان إلى واشنطن ولقائه أوباما في مايو الماضي انقطع التواصل، حتى الهاتفي بين الرجلين.
وجاءت أحداث «تقسيم» في يونيو الماضي لترفع التوتر إلى ذروته مع المواقف الأميركية المتتالية، والتي تعدت العشرين تصريحا، المنتقدة لطريقة تعامل أردوغان مع المحتجين.
ولم يكن أردوغان يقصد عندما اتهم قوى خارجية بالوقوف وراء أحداث تقسيم سوى الولايات المتحدة وإسرائيل.
وجاءت قضية الفساد، لتدخل العلاقات بين واشنطن وأنقرة في مرحلة جديدة من التوتر، مع اتهام أردوغان بصورة شبه علنية الولايات المتحدة بالوقوف وراء العملية، عبر أدوات جماعة فتح الله غولين، لقلب الحكومة بالتنسيق مع اللوبي، بل إن أردوغان هدد باعتبار السفير الأميركي في أنقرة فرانسيس ريكياردوني بأنه شخص غير مرغوب فيه.
ولكن التعبير الأرفع عن الاستياء الأميركي من سلوك أردوغان تجاه قضية الفساد انعكس في إلغاء زيارة وزير الدفاع تشاك هيغل إلى أنقرة، حيث رأت صحيفة «حرييت» التركية أن إلغاء الزيارة هو رسالة ضمنية إلى انزعاج واشنطن من أنقرة ومن أردوغان تحديدا، وتقول الصحيفة إن الإدارة الأميركية ترى مناخا معاديا لها في الرأي العام.
وبوجه عام، فإن أردوغان، الذي كان الزعيم المفضل لدى الرئيس أوباما، بات يشكل عبئا على السياسات الأميركية في أكثر من ملف، وآخرها الموقف من مصر ومخاطر تقسيم العراق والأزمة السورية، فضلا عن إسرائيل، كما أن سلوك أردوغان الداخلي يعزز النزعة الاستبدادية، ليس فقط على مؤسسات الدولة بل أيضا على الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني.