Note: English translation is not 100% accurate
تفوح منها رائحة «حرب باردة جديدة» وتؤشر إلى تغيير قواعد اللعبة على المسرح الدولي
«صفقة العصر» بين روسيا والصين
24 مايو 2014
المصدر : بيروت

بوتين رد على الحصار الغربي بـ«بديل شرقي» وإيران على خط التحالف الجديداتفاق الغاز الضخم الذي رعاه الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جين بينغ في شنغهاي جاء ليكرس تحالفا وثيقا، فرضه تقاطع مصالح في ظل «حرب باردة» جديدة تتوزع جبهاتها بين أوكرانيا وسورية غربا وبحر الصين شرقا «إنها صفقة العصر». هكذا وصف بوتين اتفاقية الغاز التي وقعت أمس الأول في شنغهاي، والتي تعد الأضخم من بين الصفقات التي أبرمتها روسيا منذ انهيار الاتحاد السوفييتي.
وبموجب الاتفاقية، التي تبلغ قيمتها 400 مليار دولار، ستحصل الصين على 38 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي الروسي سنويا لفترة 30 عاما.
وتتضمن الاتفاقية أيضا مد خطوط أنابيب بطول 2500 كيلومتر لضخ الغاز الطبيعي من حقلين في سيبيريا إلى المناطق الصناعية الواقعة في شمال الصين، فضلا عن تطوير البنية التحتية.
يأتي توقيع الاتفاق الصيني ـ الروسي بعد 25 عاما على الزيارة التي قام بها آخر رئيس للاتحاد السوفييتي ميخائيل غورباتشيف لبكين (1989) في سياق مساعي التطبيع بين الدولتين العظميين بعد عقود من الصراع الأيديولوجي. ومنذ تلك الفترة ظلت العلاقات الروسية ـ الصينية تتطور بخطى بطيئة وإنما واثقة. اتفق الجانبان على قضايا عدة على الساحة الدولية (العراق، كوسوفو، سورية.. الخ)، وشكلا ركيزتين من الركائز الخمس لتجمع «البريكس» الذي يضم الدول صاحبة أسرع نمو اقتصادي في العالم (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا). اليوم يعزز الجانبان علاقاتهما الاقتصادية بما يسهم في تمتين شراكتهما الاقتصادية والسياسية. وبما أن السياسة هي «اقتصاد مكثف»، كما يرى كارل ماركس، يمكن القول إن الترجمة الجيوسياسية لـ«صفقة العصر» هي اتصال استراتيجي بين قوتين عظميين قد يغيران قواعد اللعبة الكبرى على مسرح العلاقات الدولية.
من تابع الحملة الإعلامية الصاخبة التي سبقت ورافقت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الصين، لا يحتاج إلى كثير من الجهد لتلمس مدى الاهمية التي توليها موسكو لتعزيز الشراكة مع الحليف الصعب الذي يبدو الرابح الأكبر من المواجهة القائمة بين روسيا والغرب. والعنوان الأبرز ركز على مبدأ العلاقة مع الصين بصفتها البديل «الشرقي» في مواجهة مساعي الغرب لعزل روسيا. وهذا العنوان يوحي مباشرة بأن روسيا تستعد لفترة طويلة من المواجهة وأن الكرملين اتخذ كما يبدو قرارا بالمضي في معركته إلى آخر الشوط.
ويختلف المحللون الروس بحكم درجة اقترابهم او ابتعادهم من مطبخ صنع القرار في تقويم التحولات الجارية حاليا في السياسة الروسية، لكنهم يتفقون على ان مجريات ربيع العام 2014 حملت انقلابا كاملا في علاقات روسيا مع الغرب وفتحت الباب امام مرحلة جديدة في آليات تشكل النظام الدولي المعاصر.
ووفق الباحث ايغور زيفيليوف، فإن الكرملين كان في تلك اللحظة أمام تحدي إطلاق منظومة جديدة لآليات التعامل تخرج من خلالها روسيا من المسار الذي فرض عليها بعد انتهاء «الحرب الباردة» مستفيدة من تطورات دولية عدة، بينها الأزمة المالية التي لم تعان منها موسكو كثيرا، والأزمات الإقليمية التي عكست عجز الغرب عن تبني سياسات حاسمة.
ومع الوصول إلى «الربيع الروسي» وفق المصطلح الذي استخدمه الباحث للتدليل على مجريات الأزمة الأوكرانية وقرار ضم القرم، باتت موسكو أمام وضع جديد بدأت معه إعادة النظر في التعامل مع كل منطلقاتها في السياسة الخارجية. بهذا الفهم يمهد الخبراء الروس للحديث عن رؤية جديدة لسياسة الكرملين على الصعيد الدولي، تقوم على امتصاص الضغوط المتزايدة ومواجهة العزلة من دون التورط في فتح مواجهة شاملة.
وبدأت موسكو تنشط تحركاتها لحشد أوسع تأييد ممكن في مواجهة الضغوط الغربية، رغم عقبات جدية تعترضها في هذا السياق. فهي سعت إلى حشد الجمهوريات السوفييتية السابقة وراء موقفها وعدم التركيز على مخاوف هذه الجمهوريات من تحول القرم إلى سابقة لمناطق انفصالية أخرى.
واتجه الكرملين لتعويض الضربة التي تلقاها بعد استثناء موسكو من مجموعة الدول الصناعية الكبرى إلى تنشيط الاتصالات مع حلفاء تقليديين مثل الهند والبرازيل وبلدان أخرى تدخل في مجموعة «العشرين» التي وصفها الكرملين بأنها «المطبخ الذي يتخذ القرارات المهمة».
لكن التركيز الروسي الأساس يبقى مسلطا على الصين باعتبار أن العلاقة مع هذا البلد تحديدا ستكون العنصر الأقوى في مواجهة الضغوط الغربية، ليس على الصعيد السياسي فقط بل على المستوى الاقتصادي أيضا، باعتبار أن الصين تعد السوق البديل للغاز الطبيعي الروسي في مواجهة الجهود الأوروبية للاستغناء عن مصادر الطاقة الروسية.
صفقة فرضها تلاقي المصالح بينهما، في ظل الصراع القائم بين روسيا والغرب على خلفية الأزمة في أوكرانيا من جهة، والتوتر المتصاعد بين الصين وجيرانها المدعومين من الولايات المتحدة (الفلبين، اليابان، فيتنام) على خلفية التنازع على جزر المحيط الهادئ وثرواته.
وبدا أن الرئيس الروسي كان مصرا على على عدم العودة من شنغهاي بخفي حنين، فهو يريد استباق لقائه المرتقب مع الرئيس الأميركي باراك أوباما والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في يونيو المقبل، بتغيير قواعد اللعبة، وإفهام الغربيين بأن لديه خيارا آخر غير الاعتماد على الأوروبيين في ضخ العملات الصعبة إلى خزينته.
ويرى غربيون أن الحاح بوتين على إبرام الصفقة من جهة، والمبلغ الضخم الذي قدمته الصين لتطوير البنية التحتية من جهة ثانية، يؤكدان أن ثمة تنازلات قدمها الرئيس الروسي للفوز بهذه الاتفاقية.
ورغم أن الغربيين يركزون على أن بوتين كان أكثر تحرقا لإتمام هذه الصفقة مقارنة بتشي جين بينغ، إلا أن الاتفاق يحقق أهدافا مشتركة وملحة لكلا الجانبين.
وبالنسبة إلى روسيا، فإن من شأن صفقة الغاز أن تعطي دفعة قوية للاقتصاد، في ظل معطيات إحصائية مثيرة للقلق، أبرزها توقعات من مراكز دراسة بحصول كساد اقتصادي في ظل نسبة نمو مقدر بـ 0.2% خلال العام الحالي. فيما تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن إجمالي الأموال النازحة خلال العام الحالي قد يصل إلى 150 مليار دولار. كذلك، فإن العقوبات التي بدأ الغربيون بفرضها على روسيا، على خلفية الأزمة في أوكرانيا، قد تفاقم هذا الواقع الاقتصادي المثير للقلق.
وبالنسبة إلى الطرف الثاني في الاتفاقية، فإن إمدادات الغاز الروسي إلى المناطق الصناعية العطشى لمصادر الطاقة في شمال الصين، سيعطي بكين دفعة قوية في إطار تسريع النمو الاقتصادي، والحد من الاعتماد على الفحم الحجري ذي الأثر الكارثي على البيئة.
ومن شأن حصول الصين على الغاز الروسي أن يقلل كذلك من اعتمادها على مصادر الطاقة في مناطق أخرى، وخصوصا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في ظل المخاطر الناجمة عن الاضطرابات السياسية والأمنية التي تؤججها الولايات المتحدة، ومحاولات العرقلة الأميركية على خطة «خيط اللؤلؤ»، التي تسعى بكين من خلالها إلى نشر أسطول حربي من بحر الصين الجنوبي إلى إيران.
علاوة على ذلك، فإن «صفقة العصر» تعني بالنسبة إلى الصين تعزيز قوتها الاقتصادية على الساحة الدولية، من خلال توسيع نطاق توجهها المعتمد في علاقاتها مع دول أفريقيا وأميركا اللاتينية، والذي يمكن اختصاره على النحو التالي: «الموارد الطبيعية في مقابل البنية التحتية».
بينما كان الرئيسان، الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جين بينغ يوقعان «صفقة العصر» بعدما كانا أشرفا معا على المناورات البحرية المشتركة رقم 3، كان مندوبا روسيا والصين في مجلس الأمن الدولي، يستخدمان الفيتو رقم 4 دفاعا عن سورية أمام هجمة الأطلسي الجديدة لإحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية.
لا يمكن النظر إلى الفيتو الروسي الصيني رقم 4 باعتباره، فقط، وقفة مع سورية ضد حملة الضغوط والمضايقات الغربية، إنه فيتو ثنائي دفاعا عن مرحلة جديدة في تاريخ العالم، تعبر عن ذاتها، سياسيا، على الجبهتين السورية والأوكرانية.
الهدف الغربي من القرار الجديد في مجلس الأمن هو الرد على مسار الحسم في سورية من خلال خلق أجواء مشحونة بالقول إن إسقاط النظام السوري لا يزال على الأجندة، وإحراج الروس، أخلاقيا وسياسيا، من خلال صياغة قرار يدين الطرفين المتقاتلين في سورية بوصفهما مجرمي حرب.
أما الرد الروسي ـ الصيني فإنه جاء مجرد علامة ديبلوماسية عن تحالف عالمي جديد، أصبح واقعا سياسيا وعسكريا واقتصاديا في شنغهاي.
وعلى الخط تدخل إيران بقوة، وموسكو ستتعاون مع الإيرانيين في كل المجالات، وستبني لهم المزيد من المفاعلات الذرية، بغض النظر عن مآل العقوبات الغربية. وكان الرئيس الإيراني حسن روحاني مرة جديدة نجم مؤتمر شنغهاي. يدرك الزعيمان الروسي والصيني قوة إيران وموقعها الجيوسياسي الخطير بالنسبة لتكوين الحلف الآتي الممتد من بكين إلى جنوب لبنان، مرورا بموسكو وبغداد ودمشق.