Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
ماذا يجري في العراق؟.. وما سيكون عليه «مستقبل المنطقة»؟
13 يونيو 2014
المصدر : بيروت
ما حدث ويحدث في العراق «هزة عنيفة» تترتب عليها انهيارات في الداخل، وسيكون لها ارتدادات في المنطقة، فالانهيار في العراق لا يتوقف عند انهيار معنويات الجيش ومنظومة الأمن الرسمي وإنما ستحصل انهيارات أمنية وسياسية. والارتدادات في المنطقة لا تتوقف عند سورية وإنما ستطول منظومة الأمن الإقليمية وخارطة التحالفات والخيارات في مرحلة جديدة عنوانها العريض: «محاربة الإرهاب».
وفي تصور أولي لنتائج وتداعيات الأحداث العراقية يمكن الخروج بالتوقعات والاستنتاجات التالية:
1 ـ عودة الوضع في العراق الى نقطة الصفر، الى المربع الأمني، الى ما قبل العملية السياسية المتعثرة، الى ما قبل الانسحاب الأميركي، فالعراق في حالة من «الانكشاف الكامل» على المستويين السياسي والأمني، وستظهر سريعا علامات فوضى عارمة على الأرض وداخل المؤسسات، خصوصا ان البلاد تعيش فراغا حكوميا وانهيارا أمنيا ونزاعا سياسيا، أي أزمة شاملة ومفتوحة.
2 ـ عودة احتمالات ومخاطر «الحرب الأهلية»، صحيح ان الحرب الدائرة تكتسب صفة رسمية «الحرب ضد الإرهاب» وتدور بين الجيش العراقي وتنظيم «داعش»، ولكن الوجه الآخر لهذه الحرب وما يجري على الأرض يدل الى تجدد الصراعات الطائفية والإتنية التي برزت في فترة الاحتلال الأميركي وخمدت بعد الانسحاب. وما يجري الآن هو عودة الاصطفافات الطائفية وأجواء التعبئة وانكفاء كل مجموعة وفئة الى خطوط الدفاع عن النفس وانغلاقها على ذاتها ومنطقتها وأمنها الذاتي. وها هم الشيعة يتحولون مجددا الى إعادة بناء «جيشهم الخاص» الذي يسميه المالكي «الجيش الرديف» ويسميه مقتدى الصدر «سرايا السلام» بعدما انكشفت هشاشة الجيش العراقي ووجود اختراقات وثغرات بنيوية وأمنية داخله. وها هم الأكراد يتحصنون في منطقتهم و«دولتهم» متحينين فرصة جديدة لتعزيز وضعهم والحصول على مكاسب جديدة والاستفادة من ضعف السلطة المركزية. أما السنة فإنهم ضائعون بين واقع انفصالي يديره «إرهاب منظم» وترفده مجموعات عشائرية وبعثية، وبين حكومة مركزية لم تحسن التعاطي معهم واحتواء أزمتهم وإحباطهم وشعورهم بالتهميش والتحجيم.
الخارطة العراقية ملتهبة سياسيا وأمنيا وواضحة في توزعها بين جنوب شيعي متأهب بعدما باغتته الأحداث وأصابته بـ «الدهشة والهلع»، وشمال كردي متحفز لتكريس استقلاليته، ووسط سني يتنازعه خطران: الإرهاب والحرب. وهذه الخارطة في ظل «دينامية صراع» متجددة ترسم الطريق الى «عراق فيدرالي» مقسم واقعيا وشرعيا.
3 ـ بدء العد العكسي لنهاية «نوري المالكي» الذي نجح في الإفلات من «قطوع الانتخابات» ولكن سيكون من الصعب أن ينجو من الغرق في المستنقع الجديد ووحوله المتحركة. العراق دخل أزمة كبيرة وخطيرة لا يمكن الخروج منها لاحقا إلا عبر تسوية سياسية كبيرة، ولم يعد المالكي في الوضع الذي يؤهله لقيادة هذه التسوية وتنفيذها إذا وجدت، بعدما اصطدم بكل المكونات العراقية وحتى مع القيادات الشيعية (الصدر والحكيم)، ووقع في أخطاء مكلفة إن لجهة إدارة «نزاع المال والسلطة» مع كردستان أو لجهة إدارة الوضع في المحافظات السنية وعملية «تطويعها».
وقبل الوصول الى مرحلة التسوية، يواجه المالكي مهمة احتواء الانهيار الحاصل والسيطرة على الوضع، وهذه مهمة صعبة ليس قادرا عليها وحده، وإذا وجد استعدادا عند الأفرقاء المتواجدين على الأرض لمساعدته ودرء الخطر المشترك، فإن ذلك لن يحصل مجانا وإنما مقابل أثمان وتنازلات مطلوبة منه. فإذا قدمها صار وضعه ضعيفا ومحاصرا، وإذا لم يقدمها فإن الوضع سيحاصره ويعزله. والخلاصة أن المالكي هو من أبرز ضحايا الأحداث المستجدة والذين سيدفعون الثمن السياسي، خصوصا انه لم يعد يلعب دور «الضمانة» و«صمام الأمان» بقدر ما صار يشكل «عبئا وعائقا».
4 ـ بروز خطر حقيقي وفعلي ليس فقط على أمن العراق واستقراره ووحدته، وإنما أيضا على أمن المنطقة واستقرارها وجغرافيتها السياسية. ما نشهده على الأرض العراقية والسورية بعد إلغاء الحدود هو قيام «أفغانستان عربية» تمتد من الأنبار الى دير الزور وعاصمتها الموصل. وما نشهده على مستوى المنطقة هو قيام مسرح حرب وعمليات واحد يمتد من العراق الى سورية ولبنان بعدما سقطت الحدود العراقية السورية وسقطت الحدود اللبنانية ـ السورية. وضمن هذا «الإقليم الواحد» يدور صراع سني ـ شيعي متلازما مع حرب على الإرهاب.
الصراع سيشتد ويعنف انطلاقا من العراق، والحرب ستقوى على إيقاع تدخلات ومداخلات إقليمية ودولية بعدما صار الإرهاب «واقعا وخطرا داهما».
5 ـ الوضع في سورية يتأثر مباشرة بالتطورات العراقية والانعكاسات المرتقبة ستكون على 3 مستويات:
٭ رفع درجة التعاون والتنسيق الأمني والعملاني بين النظامين العراقي والسوري المدعومين من إيران واللذين يواجهان عدوا مشتركا (داعش) ويخوضان معركة واحدة على أرض واحدة (الحدود المفتوحة).
٭ تبدل في وجهة الأزمة السورية ومسارها ليصبح لها عنوان جديد هو «الحرب على الإرهاب» مع طغيان تنظيم «داعش» على المعارضة السورية وسيطرته على الأرض، خصوصا ان المعارضة سائرة الى مزيد من التفكك (مع انسحاب الإخوان المسلمين من الائتلاف)، وأن تقاطعا موضوعيا يحصل بين الجيش السوري والجيش الحر ضد «داعش».
وهذا التبدل يصب على المدى المباشر في مصلحة الرئيس السوري بشار الأسد مع تقدم الإرهاب المسلح على المعارضة والثورة، ومع تحول الجيش السوري جزءا من ائتلاف جديد إقليمي ـ دولي مناهض للإرهابيين، ولكن على المدى المتوسط والبعيد سيكون الوضع في سورية والعراق مفتوحا على متغيرات لأن عملية لملمته وإعادة بنائه في البلدين ستحصل مقابل تنازلات وأثمان.
6 ـ الانهيار العراقي كبير إلى درجة ان ارتداداته ستمتد الى خارج المنطقة وستدفع دولا كثيرة أولها الولايات المتحدة الى مراجعة حساباتها وإستراتيجيتها التي أخفقت حتى في عنوانها الأول: مكافحة القاعدة والإرهاب، وأيضا في حماية مصالحها ودورها القيادي في الشرق الأوسط والعالم.
إذن الانهيار العراقي كبير الى درجة أن المخارج والاحتمالات والخيارات المطروحة إزاءه لن تكون أقل من:
1 ـ تدخلات عسكرية إقليمية (إيرانية وتركية) وربما دولية (أميركية أو أطلسية).
2 ـ خطوات سياسية كبيرة تلحظ تسريع حل الأزمة السورية بعدما تأكد خطرها على أمن المنطقة برمتها، وتسريع اتفاق إيران النووي مع أميركا والغرب للتفرغ إلى ما هو «أدهى وأهم» في ظل أحداث فرضت تغييرا في «الإيقاع والأولويات».