Note: English translation is not 100% accurate
ماذا يحدث في العراق ؟ هل انطلقت التسويات الأميركية - الإيرانية في المنطقة؟
13 أغسطس 2014
المصدر : الأنباء

سيكون من الصعب على نوري المالكي الرد على الانقلاب السياسي الذي نفذه التحالف الوطني الشيعي ضده، بانقلاب مضاد رغم سيطرته على منظومة كبيرة من القوى الأمنية والعسكرية، بالإضافة الى ارتباط ميليشيات مثل «عصائب أهل الحق» بمكتبه، ورغم عدم اعترافه بالحكومة الجديدة وتهديده بعدم تسليم السلطة. هذا الانقلاب باغت المالكي وأذهله لأنه جاء سريعا وصاعقا وجرى على الشكل التالي: قبل حلول الموعد النهائي دستوريا لتكليف رئيس للحكومة، جرت مفاوضات دراماتيكية سرية، واتفاقات خلف الستار دون علم المالكي. وحملت الاتفاقات انشقاقا مفاجئا لقائمة حزب الدعوة الإسلامية المنضوية تحت ائتلاف المالكي، والتي تضم قيادات الصف الأول في الحزب، برئاسة حيدر العبادي صاحبة الـ 38 مقعدا برلمانيا، وكتلة مستقلون برئاسة حسين الشهرستاني ذات الـ 12 نائبا، وانضمامهما إلى كتلة التحالف الوطني. ودعا زعيم التحالف الوطني ابراهيم الجعفري صباح أمس الأول، قادة التحالف إلى اجتماع استثنائي في منزله بالمنطقة الخضراء وسط بغداد، إثر تلقيه مؤشرات بانشقاق العبادي والشهرستاني من «دولة القانون».
وتسلم رئيس الجمهورية فؤاد معصوم كتابا من التحالف الوطني، يحمل وصول عدد أعضاء التحالف الوطني إلى 127 نائبا، ليكون الكتلة النيابية الأكبر الذي له حق تولي رئاسة الحكومة.
وهكذا فإن الجعفري نفذ «انقلابا أبيض» ضد المالكي، مدعوما من «المجلس الإسلامي الأعلى» بقيادة عمار الحكيم وحزب «الفضيلة» والتيار الصدري وكتلة الشهرستاني.
إطاحة المالكي وإزاحته من المشهد العراقي كان متوقعا حصوله لألف سبب وسبب بعدما بات وجوده يشكل عبئا وعقبة، ولم يعد ينسجم مع مستلزمات وطبيعة المرحلة الجديدة التي افتتحها تنظيم «داعش» بانقلابه الميداني وسيطرته على مناطق واسعة في شمال العراق.
ومن الأسباب التي أدت الى سقوط المالكي التقاطع الأميركي الإيراني الحاصل في المصلحة والموقف:
1- الموقف الأميركي الذي كان قويا وحاسما في التشجيع على تغيير المالكي وحث القوى السياسية العراقية على تشكيل حكومة وحدة وطنية واستكمال العملية السياسية ومواجهة الخطر الداهم الذي تشكله «داعش».
وكل ذلك لم يعد ممكنا مع المالكي لا بل كان خروجه شرطا إلزاميا للانطلاق في عملية «إنقاذ العراق». فالرئيس الأميركي باراك أوباما استشعر خطرا مزدوجا على المصالح الأميركية في العراق: الخطر الأمني الذي تمثله «داعش» على الأرض، والخطر السياسي الذي يمثله المالكي في الحكم.
وبسبب المالكي اتسم رد الفعل الأميركي على سقوط الموصل ومناطق أخرى في يد «داعش» بالحذر وتمثل في تدخل عسكري «استشاري» وضغوط سياسية لإعادة ترتيب الوضع السياسي، وبلغ ذروته في الغارات الجوية ضد «داعش» في شمال العراق التي لم تطلق إشارة دعم لحكومة بغداد وإنما لحكومة أربيل.
وكان أوباما واضحا في حديثه الأخير الى «نيويورك تايمز» عندما قال إن السبب الأساسي الذي دفعه الى عدم اتخاذ الأمر بقصف المواقع التي سيطر عليها تنظيم «داعش» هو أنه كان من شأن ذلك أن يخفف الضغط عن المالكي ويشجعه على الاعتقاد أن لا حاجة للتوصل الى تسويات وللتفكير في الأخطاء التي ارتكبها في السابق.
2- الدفع الأميركي باتجاه عملية انتقال سياسي ووصول شخصية غير استفزازية الى رئاسة الحكومة لم يلق «تصديا وممانعة» عند إيران التي تولدت لديها القناعات التالية:
- إيران لم تعد قادرة وحدها على إدارة الوضع في العراق الخارج في جزء كبير منه عن سيطرتها، وإنما باتت في حاجة الى تعاون وتنسيق مع الولايات المتحدة.
- واشنطن تربط تدخلها بإزاحة المالكي وليست في وارد أن ترمي طوق النجاة له، وتضع الكرة في ملعب طهران عندما تحدد المالكي المدعوم منها جزءا أساسيا من المشكلة، وعندما تتعاطى مع الوضع المستجد على أنه نزاع داخلي سببه المالكي وليس فقط تهديدا أمنيا مصدره «داعش».
- الإبقاء على المالكي صار أمرا صعبا ومكلفا في ضوء المعارضة الواسعة النطاق والنقمة ضده حتى في أوساط الطائفة الشيعية التي وقف مرجعها الديني الأعلى السيستاني بقوة ضد التمديد للمالكي والتي صار تحالفها السياسي (الائتلاف الوطني) مهددا بالتصدع بعد انفراط عقد التحالف الشيعي الكردي.
- انخراط الأكراد والسنة في العراق في الحرب على «داعش بات يتوقف على إزاحة المالكي. فالأكراد أبلغوا أن لا مجال لعودة التعاون معه بعدما انتهت التجربة الى فشل ذريع، والسنة أبلغوا أن هناك شرطين لنجاح أي حل وتسوية: رئيس جديد للحكومة العراقية وإحداث تغيير وتصحيح في مسار العملية السياسية بما يلبي مطالب السنة العرب.
مع إزاحة المالكي وخروجه من المعادلة السياسية، تبدأ مرحلة جديدة في العراق وتنفتح الطريق أمام حكومة وحدة وطنية جامعة وإعادة إطلاق العملية السياسية وفق أسس جديدة. وهذا يعني أن الأرضية السياسية لشن الحرب المضادة على «داعش» باتت متوافرة بغطاء دولي إقليمي وتحديدا أميركي إيراني. فمع المالكي كانت الأمور متجهة الى مزيد من الفوضى والانزلاق الى حروب أهلية والى وضع مقفل على الحرب. ومن دون المالكي تأخذ الأمور وجهتها المحددة باتجاه حرب على الإرهاب ووضع مفتوح على أفق التسوية. وفي الواقع، فإن التسوية في العراق تندرج في إطار مرحلة التسويات الكبرى وهي جزء منها.
البداية في أفغانستان حيث التسوية تمت بإشراف وزير الخارجية الأميركي جون كيري وتمثلت في الاتفاق بين المرشحين للرئاسة (عبدالله عبدالله وأشرف علي) لإنقاذ أفغانستان من حرب أهلية مدمرة لا تريدها واشنطن وطهران وموسكو، ويقوم الاتفاق على قبول نتائج الانتخابات وأن يكون واحدا منهما رئيسا للجمهورية، وهذا يعني عدم استبعاد أي من مكونات أفغانستان (البلوش والطاجيك والهزارة).
وفي العراق تسوية تقوم على التلازم بين الحرب على «داعش» وتشكيل حكومة جديدة لا تقصي أحدا، وشطب الطرف الذي ساهم في تضخم الإرهاب تحت إدارته السيئة السياسية والمذهبية، وباختصار لا «داعش ولا المالكي». وفي جنيف تقترب المفاوضات والتسوية حول الملف النووي الإيراني من النقطة المفصلية الحاسمة.
منطق التسويات ينسحب على غزة حيث تتقدم مفاوضات القاهرة باتجاه اتفاق وقف إطلاق نار دائم، وسيتم احتواء وتحجيم حماس وربما يلي ذلك تغيير حكومة نتنياهو لمصلحة حكومة أكثر استعدادا للمفاوضات واتفاق السلام مع الفلسطينيين.
وفي لبنان بدأت التسويات تطل برأسها مع عودة الرئيس سعد الحريري الى لبنان وما نجم عنها من تهدئة للتوترات الأمنية والسياسية والطائفية ومن تزخيم للجهود والاتصالات الهادفة الى حل الأزمة السياسية المؤسساتية بدءا من شغور مركز رئاسة الجمهورية. وأما سورية، فإن دورها يأتي لاحقا لأن الحرب لم تستنفد كامل طاقتها وأغراضها بعد، ولأن الأطراف المتنازعة غير جاهزة للحل.
والسؤال هل ما يسري على العراق حيث لا «داعش ولا المالكي» يسري على سورية وتكون النتيجة «لا داعش ولا الأسد».