Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
باريس عاصمة العالم المناهض للإرهاب: ما بعد «شارلي إيبدو» ليس مثل ما قبلها
13 يناير 2015
المصدر : بيروت
11 يناير2015 يوم تاريخي في حياة فرنسا. لم يسبق أن شهدت باريس مسيرة مليونية، وأن شهد الشارع الفرنسي هذه الحالة من التعبئة واستنفار المشاعر الوطنية. ولم يسبق أن ترجم التضامن الدولي مشاركة من حوالي سبعين شخصية من دول العالم، وأن مشى قادة من العالم في الشارع على رأس تظاهرة منددة بالعنف والإرهاب. ولكن هذا الحشد الدولي الجماهيري الذي قدمت من خلاله فرنسا طريقة جديدة في التعامل والتفاعل مع حدث إرهابي كبير ليس كافيا لطي صفحة الهجوم الإرهابي على مقر صحيفة «شارلي إيبدو» ولوقف ما بدأ في فرنسا من نقاشات صاخبة وحامية ومن توترات اجتماعية غير مسبوقة وحالة قلق وترقب. وكل الدلائل تشير الى أن فرنسا دخلت مرحلة جديدة وتتجه الى تغييرات عميقة، وأن الأوضاع والسياسات في مرحلة ما بعد «شارلي إيبدو» لن تبقى مثلما كانت قبل الهجوم الإرهابي الذي رسم حدا زمنيا فاصلا بين مرحلتين.
وأما الاتجاهات والأوضاع الجديدة في فرنسا فيمكن اختصارها في النقاط التالية:
1- أسئلة تدور في نطاق «المساءلة والمحاسبة» حول ثغرات كبيرة في السياسة والإجراءات الأمنية، أتاحت تحرك إرهابيين لثلاثة أيام في باريس ومحيطها ونشر الذعر وأجواء حرب حقيقية، قبل أن تتمكن الشرطة من قتلهم بعد حالة استنفار قصوى ونشر الآلاف من الجنود. يضاف الى ذلك حالة التقصير والتراخي في التعامل مع المعلومات حول «الأخوين كواشي» المعروفين بتطرفهما ونشاطهما واسماهما مدرجان على لائحة الأشخاص الخطرين. ومع التقارير التي حذرت من وقوع سلسلة من الهجمات الإرهابية تستهدف فرنسا وتهدف الى تشتيت تركيزها وتحويلها الى «ساحة حرب».
2- نقاشات عميقة وخطيرة تتناول هوية فرنسا الثقافية وحتى الدينية، وتتعلق بالهوية الوطنية إجمالا. فما حدث أطلق شرارة تداعيات كثيرة في عمق المجتمع الفرنسي، وأفاد اليمين المتطرف الذي سيكون القوة الشعبية الصاعدة في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة مدفوعا بموجة شعبية اجتماعية داخلية انغلاقية ومتشددة لن يتمكن اليسار الفرنسي من صدها واحتوائها.
3- وضع المسلمين في فرنسا، الدولة الأوروبية الأولى في عدد المسلمين على أرضها (يفوق الـ 6 ملايين). وتعود خطورة ما حصل الأسبوع الماضي الى أن الفاعلين هم فرنسيون من أبناء المهاجرين من الجيل الثالث وولدوا فرنسيين على أرض فرنسا ولم يفدوا إليها حديثا. ومن هنا عمق التحولات التي سيشهدها المجتمع الفرنسي لناحية علاقاته الداخلية. يضاف الى ذلك أن الصورة التي ترسخت في الأذهان وتشكل أساسا لرسم سياسات فرنسا في الفترة المقبلة بصرف النظر عن مدى دقتها هي: مسلمون متعصبون يرفضون حرية التعبير ويردون على الكلمة والصورة بالرصاص، ولا يتطلب الأمر عناء كبيرا لإلحاق أل التعريف بأول الكلمة لتصبح «المسلمون» بدلا من «مسلمون» نظرا للمناخ المعادي للإسلام أو «الاسلاموفوبيا».
وبالمقابل تسود أجواء قلق ونقمة في أوساط المسلمين في فرنسا لأن الأحداث أخذتهم رهائن بشكل جماعي رغم أن منفذيها من المتطرفين ومن ذوي السوابق، ورغم التحذير الرسمي من الخلط بين الإرهاب والإسلام.
اعتداء باريس ليس كغيره، ومن شبهه بهجمات 11 سبتمبر لديه مبررات قوية. فلم يحصل في تاريخ أوروبا الحديث أن يستهدف هجوم إرهابي كادر تحرير صحيفة. الضحايا لهم رمزية كبيرة لما يسمى «القيم الأوروبية»، التي تشكل حرية التعبير أحد أهم عناصرها. والعامل المهم الثاني أن قصة الجريمة مرتبطة بالجمهور المسلم، شاء ذلك أم أبى.
وقد يشهد الداخل الفرنسي المزيد من التصدع حول 10% من الفرنسيين يدينون بالإسلام، وقد تتسع الأزمة المدينية والعلاقة مع التجمعات العربية في ضواحي المدن الكبرى في فرنسا، ما لم يتوقف خطاب كراهية الإسلام.
لقد أضحى الإسلام، في الآونة الأخيرة، هو الموضوع الأكثر حماوة في النقاش الإعلامي والاجتماعي والديني والسياسي في فرنسا، وفرنسا ما بعد هجوم الأيام الثلاثة، لن تكون لا سياسيا ولا اجتماعيا، على ما كانت عليه قبلها، ويعتقد كثير من المحللين، أنه من شأن دخول التطرف الإسلامي على الخط، أن يعزز وجود اليمين الفرنسي المتطرف في المشهد الشعبي، وهو وجود نما في السنة الأخيرة الى مستويات قياسية غير مسبوقة.
وهذا يعني أن الإسلام الأوروبي عموما والفرنسي خصوصا، سوف يدخل في إشكاليات كبيرة، لا يدرك أحد مداها ولا نتائجه، في حال تركت الأمور على ما هي عليه حاليا، وبقي المستوى الرسمي في مكان والمستوى الشعبي في مكان آخر.