Note: English translation is not 100% accurate
الدين يُسرٌ.. بقلم: د.يعقوب يوسف الغنيم
31 مايو 2015
المصدر : الأنباء

الدين الاسلامي يحتم علينا أن نأخذه بالرفق ونؤدي موجباته دون تشدد
تطبيق الوسطية لا يقتضي صرف تلك المبالغ الباهظة على أمور لا تستحق ولا يقصد بها وجه الله سبحانه وتعالى مثل الرحلات لمختلف أنحاء العالم وحضور مباريات كرة القدم الدولية
ضرورة محاسبة المسؤولين عن الهدر المالي بسبب بدعة «الوسطية» ووضع الأمور في نصابها الصحيح
الهيئة المشرفة على الوسطية ابتدعت فروعا متعددة لصرف المزيد من المال مثل «المركز العالمي للوسطية»و «منتدى الأدب الإسلامي» ولا ندري سبب اختيار هذا الاسم العالمي ثم إطلاقه بصورة تشعرنا بأن «الوسطية» عندنا مشروع دولي مهم
فكرة الوسطية لا نعرف اساسا دينيا لها إلا انها جاءت تلبية لرغبة شخص استفاد منها كثيرا وتكشفت الأمور التي كانت مختبئة وراءها
نرجو ان تعود "الاوقاف" الى صحيح الدين وأن تبتعد عن اختلاف المذاهب البعيدة عن المنهج الإسلامي الصريح
نتساءل عن الوسطية عندهم: ما المقصود الصريح منها؟ هل هو ابتداع فكرة تريد ان تكون وسطا بين الأديان المختلفة فتخرجنا عن ديننا؟ أم انها وسط بين العقائد المختلفة حتى الشاذ منها؟!
هل يريدون صناعة أمة أخرى هي الأمة الوسطية التي تختلف عن أمة الإسلام؟
بقلم: د.يعقوب يوسف الغنيم
القول في يُسر الدين الاسلامي قول مشهور، ومعروف، وقد جاءت عنه أحاديث تدل على أن التشدد الخارج عن المعتاد أمر غير مرغوب فيه. ومن ذلك حديث أخرجه البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه وهو قول الرسول الكريم: «ان هذا الدين يسر، ولن يُشادَّ الدين أحدٌ إلا غلبه». وروي هذا الحديث عن الإمام أحمد بن حنبل عن أنس بن مالك رضي الله عنه عنه بلفظ: «إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق».
ومما نراه في الحديث بروايتيه أمر يَدُلنا على نبذ التشدد، واختيار التيسير، باعتبار أن الدين الاسلامي يحتم علينا أن أن نأخذه بالرفق ونؤدي موجباته دون تشدد، وأن نسير وفق تعليماته بعيدا عن أخذ الأمور بأكثر من طاقة الإنسان المسلم، فيصعب عليه الامتثال للأوامر الدينية المفروضة. ومما يدل على التطبيق المباشر لما ورد؛ ما جاء في الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خاطب الصحابي الجليل معاذ بن جبل في حادثة سوف نرويها هنا. وهي التي جاءت في رواية عن جابر ابن عبدالله رضي الله عنه حيث قال: «كان معاذ بن جبل رضي الله عنه يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة، فقرأ بهم: البقرة، فتجاوز رجل منهم فصلى صلاة خفيفة، فبلغ ذلك معاذا، فقال: انه منافق. فبلغ ذلك الرجل، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنا قوم نعمل بأيدينا، ونسقي بنواضحنا، وإن معاذا صلى بنا البارحة فقرأ البقرة، فتجوزت، فزعم أني منافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا معاذ أفتان أنت؟ - قالها ثلاثا - ثم قال له: أقرأ (والشمس وضحاها)، و(سبح اسم ربك الأعلى).
(تجوَّز: خفف صلاته. النواضح: جمع ناضح، وهو البعير الذي يستعمل في سقي الزروع).
ومن ذلك نعرف أن التشدد حتى في إطالة القراءة أثناء الصلاة أمر غير مرغوب فيه من الإمام. فالإطالة تساعد على صرف المأمومين عن صلاتهم خلفه، وتُعطلهم عن أعمالهم. وقد كَبُر وقع ذلك عند الرسول الكريم حتى سماه: فتنة. وحتى وَجّه السؤال الاستنكاري القاسي الى معاذ بن جبل وهو من هو في مكانته من الاسلام، ولم يوجه اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سؤاله الاستنكاري الذي ورد في حديث جابر بن عبدالله إلا لأنه رغب في تعريفه بمغبة الإطالة.
وهذا الذي ذكرناه يؤدي بنا الى التحدث عن صفة مهمة من صفات الدين الاسلامي الحنيف، وهي أنه دين الوسط، والوسط أمر مطلوب بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: «خير الأمور الوسط». وقول السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: «ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما».
ومادام الوسط هو خير الأمور، وخاصة في اتباع أوامر الدين، فإن من المهم أن نعرف أن عدم اتباع الوسط هو ما يمكن أن يُطلق عليه اسم «الغلوّ»، والمبالغة التي تُخرج المرء عن الحدود التي ينبغي عليه أن يلتزم بها من حيث تقيده بما يُمليه عليه الشرع من حسن التلقي، والالتزام بما في الأوامر الالهية التي أبلغنا بها الرسول الكريم، أو جاءت في كتاب الله عز وجل، وذلك دون تجاوز للحدود أو مبالغة في تنفيذها، فالزيادة في الأمر نقص فيه.
إذن فإن اتباع الوسط، وفق ما أشارت اليه الاحاديث النبوية الشريفة إنما يكون بالتزام الرفق في العمل والخطاب والتبليغ. وعدم المبالغة في تنفيذ الأحكام.
ولنتجه الآن الى بعض كتب التفسير. فنختار منها كتابين مهمين، لكي نرى الموقف الذي نريد الوصول اليه، ففي أولهما وهو تفسير ابن كثير:
يقول أبوالفداء اسماعيل بن كثير حين فسّر الآية الكريمة رقم 143 من سورة البقرة وهي التي ورد فيها قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا، وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله، وما كان الله ليضيع إيمانكم، إن الله بالناس لرؤوف رحيم).
يقول تعالى ما معناه: «إنما حولناكم الى قبلة ابراهيم عليه السلام، واخترناهم لكم لنجعلكم خيار الأمم، لتكونوا يوم القيامة شهداء على الناس جميعا، لأنهم يعترفون لكم بالفضل. والوسط ها هنا: الخيار والأجود. كما يقال: قريش أوسط العرب نسبا ودارا، أي: خيرها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطا في قومه، أي: أشرفهم نسبا.
ويضيف ابن كثير الى ذلك قوله: «ولما جعل الله هذه الامة وسطا خصها بأكمل الشرائع، وأقوم المناهج، وأوضح المذاهب، كما قال تعالى: (هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج، ملة أبيكم ابراهيم، هو سماكم المسلمين من قبل، وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم، وتكونوا شهداء على الناس».
وهذا النقل كله يدلنا على أن المقصود بالوسط هو الموقع المختار الطيب، كما أنه يدلنا على أمر آخر هو أنه ليس في اتباع الدين من حرج فهو دين السماحة واليسر والبعد عن التشدد والغلو.
وثاني الكتابين هو: كتاب جامع البيان عن تأويل آي القرآن المعروف باسم «تفسير الطبري»، وهو لمحمد بن جرير الطبري، من تحقيق شيخنا الأستاذ محمود محمد شاكر، وقد راجعه وخرّج أحاديثه أخوه الشيخ أحمد محمد شاكر.
في هذا الكتاب (ج3 ص142) ورد تفسير الآية التي منها: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) فقال الطبري: «وأرى أن الله تعالى ذكره، إنما وصفهم بأنهم (وسط) لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه، ولا أهل تقصير كما نشاهد عند بعض أصحاب الديانات الاخرى، ولكنهم أهل توسط واعتدال فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحب الأمور الى الله أوسطها».
وأضاف أن تأويل (الوسط) هو العدل وذلك بمعنى الخيار. لأن خيار الناس هم عُدُولهم.
وقد كرر الطبري نقل أحاديث مؤداها أن تفسير قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا)، أي عدولا تشهدون بالعدل والصدق، وفي هذه الاستدلالات التي ساقها دليل على ان الوسط هو العدل وصدق الشهادة.
ومع ما اطلعنا عليه في تفسير هذه الآية الكريمة في كتاب الله الكريم، فإن من المستحسن ان نستأنس بما جاء في كتب اللغة عن لفظ «وسط»، ولذا فإننا نقرأ الآن ما ورد عنها في كتاب لسان العرب لابن منظور تحت مادة «وسط» ففيه ما يلي:
«ووسط الشيء وأوسطه: أعدله، ورجل وسط ووسيط.. ويقال أيضا: شيء وسط أي: بين الجيد والرديء.
وفي التنزيل العزيز: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) قال الزجاج: فيه قولان، قال بعضهم: وسطا: عدلا. وقال بعضهم: خيارا، واللفظان مختلفان والمعنى واحد، لأن العدل خير، والخير عدل. وقيل في صفة النبي صلى الله عليه وسلم: إنه كان من أوسط قومه، أي من خيارهم».
فهذا هو التأويل اللغوي لكلمة: الوسط.
وما كان لنا أن نخرج عن التفسير اللغوي لبحث لفظ «الوسط» الوارد في القرآن الكريم، لا من حيث ما ذكره اللغويون مثل ابن منظور صاحب كتاب لسان العرب، ولا من حيث ما ورد في التفاسير التي تبين لنا ـ بكل وضوح ـ ان الأمة الإسلامية أمة مختارة دون غيرها بفضل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم والدين القويم. وهي شاهدة على جميع الأمم بحفظ الله ورعايته. وبتمسكها بدينها، وعدم الخروج عن أهدافه التي هداهم رب العالمين إليها.
وإذا خرجنا من ذلك كله فإننا سنفيض الى طريق لا علاقة له بهذا اللفظ القرآني الفريد. وهذا هو ما فعله بعض المتأخرين، الذين لم ينعموا بالاهتداء الى العلم اليقين، الذي يبين لهم معنى (الوسط) فانتقلوا من هذه الكلمة الى كلمة أخرى هي (الوسطية) ظنا منهم ان اللفظين واحد، فراحوا يبنون على رأيهم هذا كثيرا من الأمور التي أدت بهم الى بعض الطرق المعوجة.
ولفظ (الوسطية) بهذا الوزن الذي اختاروه عبارة عن لفظ منسوب الى (الوسط) والوسط هنا هو ما ذكرناه، وما سنذكره استنادا الى ما ورد في تفاسير القرآن الكريم.
تبنت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت مبدأ (الوسطية) وهيأت لهذا المبدأ ما لم تتم تهيئته لأي مشروع قامت به من قبل، وبذلت له من المال ما لم تبذل، ونحن نقرأ في صحف الكويت دائما إشارات الى المبالغ المصروفة، وكلها مبالغ مذهلة من حيث حجمها، ووجهات صرفها، ولا يمكن ان نطلق على هذه الوجهات إلا انها تمثل وجوها تبذيرية، تخرج فيها الأموال بإسراف شديد، وبدون مراجعة سابقة او لاحقة. ولقد تعدى العمل في مجال وسطيتهم الحدود التي تجاوز المسائل الفكرية الى مسائل اخرى تغطي مصالح شخصية مادية خالصة.
ألم نقرأ في يوم من الأيام عن البعثة الكبيرة التي خرجت من الكويت لكي تحضر احد المحافل الرياضية العالمية، بحجة ان هذا الوفد خارج من الكويت الى هناك من اجل التبشير بالوسطية، هكذا في بلد غير مسلم، وبين مجموعات أغلبها من غير المسلمين؟
ومن زاوية أخرى فإن الهيئة المشرفة عندنا على الوسطية قد ابتدعت فروعا متعددة ـ من اجل مزيد من صرف المال ـ فهناك: «المركز العالمي للوسطية»، ومن فروعه: «منتدى الأدب الإسلامي» ولا ندري سبب اختيار هذا الاسم العالمي ثم إطلاقه بصورة تشعرنا بأن «الوسطية» عندنا مشروع دولي مهم، له دوره في قيادة الفكر الإنساني، ونحن اذا نظرنا الى مطبوعات هذا المنتدى وجدناها مطبوعات لا تتمتع بقيمة فكرية عالية، ولا تخضع لتحقيق سليم.
وليس أدل على ذلك من النظر في نشأة هذه الفكرة، كيف نشأت؟ وكم بذل فيها من مال؟ وخاصة حين ننظر الى المبالغ التي صرفت على من انتدب لمهمة التأسيس، الذي كان يتقاضى مرتبا باهظا يفوق مرتب اي وزير في الكويت. وكانت إقامته طوال عمله في فندق من الدرجة الأولى، مع ما يكلف ذلك من مال، إضافة الى مصروفات الأسفار المتنوعة التي يتجه خلالها الى أماكن عديدة، حتى لقد لفت هذا الإسراف أنظار أعضاء مجلس الأمة عندنا الحريصين على مال وطنهم وحفظه، فأثاروا هذه المسألة بجد، فانتهى دوره، لكن العمل لايزال جاريا في أمر هذه (الوسطية) التي نجهل أهداف المنادين بها وما تؤديه طوال هذه الفترة، بل ونجهل فروعها المتنوعة.
ولا نريد ـ بعد هذا ـ ان نتهم أحدا بأن التصرف الشخصي المؤدي الى المكاسب المادية هو سبب اعتناقه لهذه الفكرة التي لا نعرف اساسا دينيا لها إلا انها جاءت تلبية لرغبة شخص استفاد منها كثيرا، وقد تكشفت ـ في وقت ما ـ الأمور التي كانت مختبئة وراءها.
واذا كان لنا ان نغلب حسن الظن، فإننا نرجو ان تعود الوزارة المختصة الى صحيح الدين، وأن تبتعد عن اختلاف المذاهب البعيدة عن المنهج الإسلامي الصريح.
ثم إننا لنتساءل عن الوسطية عندهم: ما المقصود الصريح منها؟ هل هو ابتداع فكرة تريد ان تكون وسطا بين الأديان المختلفة فتخرجنا عن ديننا؟ أم انها وسط بين العقائد المختلفة حتى الشاذ منها؟!
هل يريدون صناعة أمة أخرى هي الأمة الوسطية التي تختلف عن أمة الإسلام؟ وبذلك فإن الأمر سيختلف عن المعاني المساقة عن الأمة الوسط ليذهبوا بنا الى معنى آخر يختلف عن المعنى القرآني الذي أشرنا اليه وسنستمر في إيضاحه.
إن من الجلي بشأن موضوع الوسط ان الله سبحانه قد اختار هذه الأمة لكي تكون شاهدة على الأمم يوم القيامة لأنها أمة مختارة تملك حق الشهادة.
إذن فإن من يعتنق ما يسمى (الوسطية) فإنه لا بد ان يكون أحد شخصين، أحدهما طامع في الأمور التي تصرف على هذا الباب الواسع الذي سموه عالميا لكي يتم صرف المبالغ المالية عليه دون حساب. والشخص الثاني غلب عليه حسن الظن فصدق بما قيل له لأنه لا يدرك مغزى ما حمل على الاعتقاد به، ولذلك فإن عليه ان يتنحى عن هذا السبيل في أسرع وقت ممكن، وقد أشرنا الى اننا نلجأ ـ دائما ـ الى حسن الظن بالناس، ولذا فإننا نأمل منهم ان يدركوا خطأ المسار الذي يسيرون فيه، فلا يدفعهم الطمع في الأموال الى اعتناق أفكار لا أساس لها من الدين الإسلامي. ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتيتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها» فليس في الدين ظلمات، ولا أفكار مختلفة، وهو بعد متين لا يستطيع المرء ان يخترق ما فيه من دلالات الخير وسبل الهدى، فما على المسلم إلا الإخلاص لله وحده، واتباع هدى رسوله الكريم.
ونأتي في ختام حديثنا هذا الى تفصيل آخر تقتضيه طبيعة الموضوع الذي اثرناه في هذا المقال. وذلك انه صدر في سنة 1987 كتاب مهم، يضم عددا كبيرا من الأحاديث النبوية الشريفة، مع مقارنة بعضها بآيات القرآن المشابهة لمعانيها: وهذا الكتاب هو: «منهاج الصالحين، من أحاديث وسنة خاتم الأنبياء والمرسلين»، وهو معتمد من وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية في عمان بالأردن. وقد جاء في رسالة الاعتماد ما نصه: «ومن الجدير بالذكر انه لا يتسنى للباحث والقارئ أو طالب العلم ان يجد هذه الأحاديث التي اشتمل عليها الكتاب في مرجع واحد أو مصدر معين من مصادر كتب الحديث».
والكتاب ـ بالفعل ـ كما ذكرت الشهادة. ولقد وجدت فيه ما كنت أبحث عنه عندما صادفني العنوان التالي: «الوسطية والاعتدال» وبذلك اهتديت الى مرجع أقدم نسبيا من تاريخ بزوغ نجم الوسطية في الكويت، حيث ان الكتاب الذي نشير اليه قد صدر في سنة 1987، فهو كتاب يذكر الوسطية ويقارنها بالاعتدال وكأنه يقول هي هو، ولكن المؤلف لم يتوسع كما توسع قومنا، ولم يحط الوسطية بما تحاط به عندنا، بل هو يعتمد في كل ما عرضه في كتابه على الحديث النبوي والقرآن الكريم، ونحن اذا اطلعنا على ما اعتمد عليه واختاره من الآيات والأحاديث فإننا نجده بعيدا عن الخروج عن موضوع الدعوة الى الاعتدال، فهو يبدأ أولا بذكر الآيات الكريمة الآتية:
٭ (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) ـ البقرة.
٭ (ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا) ـ الإسراء.
٭ (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) ـ الفرقان.
٭ (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) ـ الأعراف.
٭(.. ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا) ـ الإسراء.
وعندما ينتهي من ذكر الآيات التي نلاحظ انها تدعو الى الاعتدال وتصف الأمة الإسلامية به. وفي غير قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) لم نجد فيما ورد من آيات الكتاب الحكيم ما يرمز الى الوسطية إلا كلمة «أمة وسطا» وهي لا تعني ما يهدف اليه واضعو الوسطية عندنا.
ثم يختار من الأحاديث أحد عشر حديثا لعلها كل ما وجده في كتب الصحاح مما يشير الى الاعتدال وهذه الأحاديث هي:
٭ عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: كان ابن مسعود رضي الله عنه يذكرنا في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبدالرحمن، لوددت انك ذكرتنا كل يوم، فقال: اما انه يمنعني من ذلك اني أكره ان أملكم واني اتخولكم بالموعظة، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها مخافة السآمة علينا. (متفق عليه)
(يتخولنا): يتعهدنا.
٭ وعن مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها، انه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم انطلق فأتاه بعد سنة، وقد تغيرت حاله وهيئته، فقال: يا رسول الله، أما تعرفني؟ قال: «ومن أنت؟». قال: انا الباهلي الذي جئتكم عام الأول. قال: «فما غيرك، وقد كنت حسن الهيئة؟»، قال: ما أكلت طعاما منذ فارقتك إلا بليل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عذبت نفسك!»، ثم قال: «صم شهر الصبر، ويوما من كل شهر»، قال: زدني، فإن بي قوة، قال: «صم يومين»، قال: زدني، قال: «صم ثلاثة أيام»، قال: زدني، قال: «صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك» وقال بأصابعه الثلاثة فضمها ثم ارسلها. رواه أبوداود.
(شهر الصبر): رمضان.
٭ وعن أنس رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط الى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، وقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: اما انا فأصلي الليل أبدا، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا اعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ اما والله اني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (متفق عليه).
٭ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ان الدين يسر، ولن يشاد الدين احد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وابشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة»، رواه البخاري.
وفي رواية له: «سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة، القصد القصد تبلغوا».
قوله: «الدين» هو مرفوع على ما لم يسم فاعله. وروي منصوبا، وروي: «لن يشاد الدين أحد» وقوله صلى الله عليه وسلم: «إلا غلبه»: أي: غلبه الدين وعجز ذلك المشاد عن مقاومة الدين فكثرة طرفه. و«الغدوة» سير أول النهار. و«الروحة»: آخر النهار. و«الدلجة»: آخر الليل. وهذا استعارة وتمثيل، ومعناه: استعينوا على طاعة الله عز وجل بالأعمال في وقت نشاطكم، قلوبكم بحيث تستلذون العبادة ولا تسأمون، وتبلغون مقصودكم، كما ان المسافر الحاذق يسير في هذه الأوقات ويستريح هو ودابته في غيرها، فيصل المقصود بغير تعب، والله أعلم.
٭ وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثا، رواه مسلم.
«المتنطعون»: المتعمقون المتشددون في غير موضع التشديد.
٭ «خير الأمور أوساطها». (البيهقي).
٭ «أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما». (الترمذي والبيهقي).
٭ «اُلهوا والعبوا فإني أكره أن يكون في دينكم غلظة». (البيهقي).
٭ «رَوِّحوا قلوبكم ساعة فساعة». (أبوداود).
٭ «إن الله يحب أن تقبل رخصه كما يحب العبد مغفرة ربه». (الطبراني).
٭ «سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشيئا من الدلجة. والقصد القصد تبلغوا». (البخاري).
ونفهم من الاحاديث التي ساقها المؤلف منذ البداية ان طريقته صلى الله عليه وسلم هي اختيار الاوقات الملائمة التي يعظ فيها اصحابه، وهو يحرص على عدم الإطالة حتى يكون حديثه وسطا غير طويل فينساه المستمعون عاجلا، وهذا هو ما اشار إليه الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود.
ونفهم من الحديث الثاني ضمن مجموعة الاحاديث التي اوردها مؤلف الكتاب وعددها احد عشر حديثا ان الاعتدال في العبادة مطلوب، فليس المطلوب من التعبد وخاصة في الصيام ان يضر المرء نفسه، ويقضي على قدرته الجسمانية.
وفي الحديث الثالث بيان عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم وكيف كان معتدلا فيها.
أما الحديث الرابع فهو الذي يؤكد ان الدين يسر، وأن من الأفضل للمسلمين ان يسددوا ويقاربوا، وفي آخره نداء يقول فيه: القصد القصد، يعني عدم التزيد في الامور لأن في الزيادة نقص كما سبق ان اشرنا.
وفي الحديث الخامس وهو قوله صلى الله عليه وسلم : «هلك المتنطعون» فإنه يعني بهم المتشددون في غير موقع التشدد.
والحديث السادس فيه ان خير الامور اوساطها.
والحديث السابع ينهى عن المبالغة في المحبة وفي الكره حتى تكون الصلات بين الناس متوازنة.
وأما الحديث الثامن فقد اشار الى ان الدين الاسلامي ليس فيه غلظة، فلم ينه المسلمين عن اللهو واللعب دون الخروج عن الادب.
وفي الحديث التاسع دعوة الى الترويح عن القلوب.
وفي الحديث العاشر، حث على قبول الرخص والعمل بها.
أما الحديث الحادي عشر فيكاد يكون تكرارا للحديث الرابع.
ومن المهم ان نذكر بعد كل ما تقدم ان مؤلف كتاب: «منهاج الصالحين» الاستاذ عز الدين بليق، لم يذكر صفة من الصفات التي نراها عند القوم هنا فيما يتعلق بالوسطية، بل هو يرى ان الوسطية هي الاعتدال، فالأمر عنده واضح، وهو عند كل من يمعن النظر في الآيات والأحاديث المتقدمة يرى وضوحه.
وللشيخ ابن تيمية (احمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام) وهو عالم ديني كبير له شهرة عظيمة كتاب اسمه «العقيدة الواسطية» ألفه في الحديث عن العقيدة الإسلامية التي يجب على المسلم ان يتمسك بها ويعتقدها.
وقد قال الشيخ انه كتبها بناء على الحاح شخص من اهل بلاد واسط، وهو من قضاة نواحيها، وقد قال عنه: «يقال له: رضي الدين الواسطي، وكان من اهل الخير والدين» وهو الذي طلب من ابن تيمية كتابة هذا الكتاب حفظا لصحيح العقيدة، وإبعادا لأذهان الناس عن الزيغ، وقد استجاب الشيخ له وألف كتاب العقيدة الواسطية، ومن هنا يتبين لنا سبب التسمية، فهي ترجع الى بلاد واسط من حيث أتى السائل، ولا علاقة لها بالوسطية كما ظن البعض.
وإن كان احد رجال الدين قد استشهد بالكتاب فلم يكن استشهاده متعلقا بما أطلق عليه اسم (الوسطية) هنا فقد جاء في موقع «الاسلام سؤال وجواب» الذي يشرف عليه الشيخ محمد صالح المنجد، على شبكة الإنترنت، قوله: «وخير الامور الوسط. والوسط الضابط فيه: ما جاءت به الشريعة، فهو وسط، وما خالف الشريعة: فليس بوسط، بل هو مائل، اما للإفراط، وإما إلى التفريط، وقد ذكر شيخ الاسلام رحمه الله في «العقيدة الواسطية» خمسة اصول، بين فيها رحمه الله ان اهل السنة فيها وسط بين طوائف المبتدعة، فيا حبذا لو ان السائل رجع إليها، لما فيها من الفائدة.
ومن هنا يتضح لنا موضع كتاب «العقيدة الواسطية» بين الكتب التي تتحدث عن العقائد وتوضح امرها، كما تبين موقفنا مما سموه: الوسطية.
وفي بداية كتاب العقيدة الواسطية، يقول ابن تيمية: «فإن الفرقة الناجية اهل السنة والجماعة يؤمنون بالأحاديث التي يخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه، كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه، من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل هم الوسط في فرق الأمة كما ان الأمة هي الوسط في الأمم.
وقد شرح الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله تعالى هذه العبارة الاخيرة من عبارات شيخ الاسلام ابن تيمية فقال: «قوله: الامة هي الوسط في الأمم»، يعني الأمم السابقة، وذلك من عدة اوجه، وذكر ذلك في الديانات والعبادات وموقف الامم من انبيائها، وكذلك المحرمات في الاطعمة والاشربة وغير ذلك، ثم اخذ الشارح يتحدث عن وسطية الامة الاسلامية في كل الوجود، كما اوردها ابن تيمية.
ولن نجد حديثا اكثر وضوحا مما قدمناه هنا فيما يتعلق بالوسطية، من حيث مخالفة مدلولها لكل ما جاء في رسميات وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية.
وليس لنا ان نخرج عن الادلة اليقينية التي جاءتنا من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، إذ ليس للوسطية معنى غير الاعتدال في جميع امور الدين، بل وكل أمور العلاقات الإنسانية، وللحرص على الوسط أو الوسطية فإن الأمر لا يقتضي منا بذل المبالغ الباهظة على أمور لا تستحق منا هذا النوع من الصرف، ولا هذه المطبوعات التي لا يقصد بها وجه الله سبحانه، ولا الرحلات في أنحاء العالم للتبشير بالوسطية ولا حضور مباريات كرة القدم العالمية من أجل هذا الأمر.
ونحن لا نملك إلا أن نردد قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «سددوا وقاربوا» فالأمر الذي نراه منهم بعيد عن السداد، وعن القرب مما يرضي الله جل شأنه.
***هكذا ننتهي من الحديث عن «الوسطية» مع ذكر الأصول التي اعتمدت عليها.
وكيف نشأت عندنا في الكويت، وعلى أي أساس تم ذلك، وكان كل ما ذكرناه معتمدا على منهج واضح، وعلى مراجع من القرآن الكريم والسنة النبوية والكتب المتخصصة في العقيدة. ولذا فإننا عندما أشرنا الى أن هذا الموضوع وهو (الوسطية) أمر من أمور الابتداع فإننا لم نكن متحاملين، أو متأثرين بأي أفكار مخالفة، بل كان نهجنا نهجا سليما بعيدا عن الشخصانية، بل لقد كنا حريصين على ذلك لأن المسألة مرتبطة بالدين الحنيف الذي لا ينبغي أن يُمسّ بأية حال من الأحوال لمكانته التي لا يرقى إليها فكر من أفكار الناس.
الذين وجدناهم يبحثون في نزعاتهم الى حب الظهور، إضافة الى حب المال. وكان همنا هو تذكيرهم بواجبهم تجاه الدين الاسلامي الكريم من حفظ لمقوماته وحرص على عدم الخوض فيما يخالفه من أمور. وإذا كان الاجتهاد ركنا من أركان أصول الدين، فإن هذا الاجتهاد لا ينبغي أن يخرج بنا الى متاهات ليست فيها فائدة، بل هي تحتوي على تشويش للأذهان. وخروج عن السبيل المستقيم.
هذه واحدة. أما الثانية فنحن على يقين بأننا سوف نجد من يقول لنا: أليس من الأولى أن يتم الاتصال المباشر بوزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية قبل الخوض في هذا الموضوع، ونحن نرد على هذا القول بأن ما كتبناه ليس من قبيل الخوض في أمر لا طائل من ورائه. بل هو بحث يعتمد على بيانات وأدلة. أما الاتصال بوزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية، فهو أمر مستحيل، وقد سبق لنا الاتصال مرارا لأمور شتى، ولكن هذه الوزارة كغيرها من مؤسسات الدولة ليست في وارد الرد على الناس، ولذا فإننا لم نجد ملبيا للنداء يرد على مكالماتنا، ويوضح لنا ما نريد الاستيضاح عنه.
ولقد بذلنا الجهد من أجل الاتصال بمعالي الوزير الذي نَحِبُه ونقدره، ولكن العاملين والعاملات في مكتبه لم تكن لديهم أو لديهن رغبة في إبلاغه. إذن فنحن معذورون عندما نتوقف عن الاتصالات غير المجدية.
وفي الأخير فإنه لابد من الاشارة الى أن الوسطية - فيما يبدو - لفظت أو أنها بسبيلها لكي تلفظ أنفاسها الأخيرة. ومع ذلك فإن الأمر لا يدعونا الى التوقف عن نشر مقالنا هذا حتى يستبين الناس الموقف الشرعي منها. وحتى لا يأتي أحد من المسؤولين فيعيدها كما كانت، وكما فعل الأول الذي أدخلها - عُنوة - الى ديارنا فسبب لنا القلق والخسارة وأدخل علينا الالتباس الذي حاولنا هنا إزالته.
هذا ولعل من المهم أن نشير الى أن ما تم من صرف وإسراف بسبب بدعة «الوسطية» يقتضي محاسبة دقيقة، تضع الأمور في نصابها وتستعيد المبالغ التي أهدرت بلا سبب بحجة دينية نراها الآن بعيدة عن دعوى الدين الخالص.
ومن الله الهداية.