Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
«جعجع ـ عون» اللقاء المتوقع سياسياً والمفاجئ توقيتاً
4 يونيو 2015
المصدر : بيروت ـ خاص
لماذا شكل لقاء العماد ميشال عون الدكتور سمير جعجع في الرابية حدثا سياسيا وإعلاميا وخطف الأضواء واستقطب الاهتمام؟ ما خلفيات ودوافع هذا التقارب السياسي بين رجلين تفصل بينهما هوة مزمنة؟ هل هو موجه ضد أحد وهل يصل الى حد خلط الأوراق السياسية، أوراق التحالفات والاصطفافات المختزلة في محوري 8 و14 آذار؟ ما الجهات والقوى السياسية المتضررة من هذا اللقاء أو المعنية برسائله المشفرة؟ من الصعب إعطاء إجابات مكتملة ونهائية... ولكن من الممكن الخروج باستنتاجات وخلاصات أولية:
1 - اللقاء مهم في حد ذاته وبمجرد حصوله.
«الصورة» هي الحدث بغض النظر عن المضمون والنتيجة.
هذا اللقاء لا يتوج فقط عملية حوار بدأت قبل خمسة أشهر وإنما يتوج مرحلة طويلة من علاقة حافلة بالتوترات والنزاعات، وتدخل من الآن فصاعدا في مرحلة جديدة تطوى فيها صفحة الماضي بكل تضاريسها ونتوءاتها ومناخاتها السلبية المتنقلة عبر عقود وأجيال.
لقاء الرابية يحقق المصالحة الفعلية بين عون وجعجع. هذا ليس أول لقاء منذ الفراق الكبير عام 1990، فقد سبق أن التقيا في لقاء وجداني عام 2005 عندما زار عون العائد من منفاه جعجع في سجنه في وزارة الدفاع، والتقيا في لقاء اجتماعي عندما زار جعجع عون معزيا إياه بوفاة شقيقه «أبو نعيم» في صالون كنيسة الصعود في ضبيه...
كما التقيا مرارا تحت سقف بكركي في إطار لقاء الأقطاب الأربعة تحت إدارة ورعاية البطريرك بشارة الراعي، ولكن لقاء الرابية هو اللقاء الأول المباشر والثنائي والسياسي، مكتسبا معان ودلالات خاصة.
2 - اللقاء ليس شكليا وعابرا وليس «لقاء صورة» وإنما «لقاء مضمون»، وهذا المضمون السياسي وإن جاء تحت عنوان «إعلان النيات» إلا أنه كاف لإعادة بناء ثقة مفقودة ولأن يكون أساسا لعلاقة جديدة مبنية على تفاهم مكتوب حتى لو كان هذا التفاهم حاصلا حول عناوين عامة وعريضة وكل عنوان يحتاج الى حوار واتفاق.
3 - اللقاء ليس إبن ساعته ولا يأتي من «فراغ»، وإنما هو نتاج وتتويج لمرحلة من التواصل والحوار دامت شهورا وسارت بوتيرة بطيئة ولكن ثابتة.
4 - جملة عوامل تضافرت ودفعت في اتجاه حصول هذا التحول على الساحة المسيحية: من التطورات والمتغيرات الإقليمية التي وضعت المسيحيين في لبنان أمام مخاطر وتهديدات غير مسبوقة في طبيعتها «الوجودية والمصيرية»، الى الوضع المسيحي المزري المتراجع حضورا ودورا على كل المستويات، الى الخلل المتفاقم في التوازن الوطني بكل أبعاده السياسية والطائفية والديموغرافية.
الى حالة التململ والتذمر في المجتمع المسيحي تجاه قياداته وسلوكياتهم وسياساتهم، وكانت هذه الحالة تكبر مع الوقت وتتدحرج الى حالة اعتراضية ضد عون وجعجع معا وباتت تهدد بسحب البساط الشعبي من تحت أقدامهما.
يضاف الى كل ذلك أن كل واحد بات يحتاج للآخر ويقوى به في إطار ثنائية مسيحية وفي مواجهة ثنائية إسلامية (المستقبل حزب الله) تختزل معادلة السياسة والحكم وتتعاطى مع القوى المسيحية الحليفة كقوى ملحقة وتابعة.
5 - لقاء الرابية أشاع أجواء ارتياح في الأوساط المسيحية، الشعبية أكثر من السياسية، ولكنه ارتياح مشوب بالحذر والترقب استنادا الى تجارب ماضية غير مشجعة.
6 - تلاقي عون وجعجع يؤسس لـ «ثنائية مسيحية» بين أكبر حزبين وقوتين سياسيتين وشعبيتين. وهذه التجربة يمكن أن تستلهم التجربة الشيعية في ثنائية حزب الله أمل (مع فارق الأحجام والظروف) التي اختزلت الواقع الشيعي واحتكرت القرار والتمثيل والنفوذ والسلطة والمكاسب. وهذا سبب كاف لإثارة هواجس وقلق قوى وقيادات مسيحية أخرى مثل الكتائب والمردة اللذين على حسابهما تنمو هذه الثنائية وتترسخ وتلحق بهما التهميش والتحجيم. فإذا كانت اجتماعات بكركي أطلقت مرحلة الأقطاب الأربعة، فإن اجتماع الرابية يطلق مرحلة «القطبين» الأولين.
7 - المستقبل وحزب الله ينظران الى حليفيهما وتموضعهما السياسي الجديد بعين الحذر والشك خصوصا وأن حوار التيار الوطني الحر القوات اللبنانية شكل في أحد وجوهه ردا مباشرا على حوار المستقبل حزب الله وما عناه من تهميش للدور المسيحي ولكليهما ومن إمكانية قيام اتفاق سني شيعي بمعزل عن المسيحيين وعلى حسابهم.
8 - انزعاج المستقبل من اتفاق عون جعجع هو أكبر وأوضح من انزعاج حزب الله. المستقبل يعتبر أن جعجع قام بخطوة غير مناسبة في توقيت غير مناسب وحركته السياسية باتجاه عون تسببت في إضعاف الموقع التفاوضي للحريري وهو في ذروة معاركه السياسية والحوارية مع حزب الله، كما يتسبب في وضع الحريري على تماس مباشر مع عون وإضفاء طابع المواجهة السنية المسيحية على معركتهما المتمحورة حاليا حول رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش.
9 - لا تغيير في الخارطة السياسية القائمة على أساس فرز سياسي عريض بين فريقي 8 و14 آذار.
فلا العماد عون في وارد فك تحالفه مع حزب الله ولا الدكتور جعجع في وارد فك تحالفه مع المستقبل. ولكن ثمة تآكل وتفكك على جبهتي 8 و14 آذار وميل واضح لدى قوى هذين التحالفين الى انتهاج سياسات وتكتيكات خاصة تتلاءم مع المصالح الخاصة.
10 - رئاسة الجمهورية لم تكن بندا على جدول أعمال اجتماع الرابية وليست هدفا لهذا اللقاء.
ولكنها حضرت بشكل غير مباشر. في الشكل، قدوم المرشح الرئاسي سمير جعجع الى منزل المرشح الرئاسي الخصم ميشال عون يكسر حدة المعركة بينهما ويجعلها «رياضية».
وفي المضمون، إن الاتفاق على الرئيس القوي وحصر الرئاسة بين أول قويين على الساحة المسيحية القوات والتيار، يمكن أن يفسر بأن جعجع ربما انتقل من خانة المرشح القوي الى خانة الناخب الأقوى لأن مفتاح وصول عون الى قصر بعبدا في يده. أو أنه ربما يفكر بالرئيس التوافقي القوي الذي يكون نتاج توافق المسيحيين الأقوياء عليه.