ياسر العيلة
في تجربة فنية وثقافية لافتة، يواصل القارئ والمنشد الشهير مشاري راشد العفاسي تقديم أشهر المعلقات الشعرية العربية بصوته، في مشروع يسعى إلى إعادة هذا الإرث الأدبي العظيم إلى دائرة الضوء، وتقديمه للأجيال المعاصرة بأسلوب يجمع بين أصالة النص وروعة الأداء والرؤية البصرية الحديثة.
وكانت آخر ما استمعت إليه ضمن هذا المشروع معلقة «زهير بن أبي سلمى»، بتحقيق الدكتور فيصل المنصور وإخراج رامي مرعي، لتكون الخامسة ضمن سلسلة المعلقات التي قدمها العفاسي حتى الآن، بعد معلقات امرئ القيس وطرفة بن العبد وعمرو بن كلثوم ولبيد بن ربيعة.
ويؤكد العفاسي من خلال هذه التجربة أنه صاحب مدرسة متفردة في التلاوة والإنشاد، لما يمتلكه من إمكانيات صوتية نادرة وقدرة لافتة على التنقل بين المقامات وتوظيف طبقات صوته الشجي والدافئ بما يخدم المعنى ويمنح النص أبعادا وجدانية جديدة.
فهو لا يقدم القصيدة باعتبارها أبياتا محفوظة في بطون الكتب، بل يتعامل معها كنص حي قابل لأن يعاش من جديد، فينقل المستمع بين أجواء الحكمة والفخر والحماسة والحنين ووصف الطبيعة، في تجربة تجعل المتلقي يعيش مع الكلمات ويتفاعل معها. ومن منا كان يتخيل أن يستمع يوما إلى روائع امرئ القيس وزهير وغيرهما من كبار شعراء العرب بهذا الأداء الشجي الذي يأسر القلوب ويمنح القصيدة حياة جديدة؟
تكمن خصوصية مشروع العفاسي في قدرته على الجمع بين النص العربي القديم ووسائل التلقي الحديثة، من دون التفريط في فصاحة النص أو أصالته، فالمعلقة التي ظلت قرونا حبيسة الكتب وحلقات الدرس، تجد اليوم طريقا جديدا إلى الجمهور عبر المنصات الرقمية والهواتف وسماعات الأذن.
وهي تجربة بالغة الأهمية، خصوصا في زمن اعتاد فيه قطاع كبير من الشباب على المحتوى السريع، إذ تقدم واحدا من أبرز كنوز الشعر العربي بلغة فنية أقرب إلى ذائقة الجيل الجديد، وتحول النص التراثي من مادة دراسية جامدة إلى تجربة صوتية وبصرية معاصرة.
وبذلك لا يقتصر مشروع العفاسي على مجرد «إحياء» نصوص قديمة، بل يعيد اختبار قدرتها على الوصول إلى متلق جديد، مؤكدا أن جمال الشعر العربي وقوته لا يرتبطان بزمن، وأن الكلمة العظيمة قادرة دائما على عبور القرون عندما تجد من يقدمها بروح مخلصة وفن حقيقي.
وتكتسب معلقة زهير بن أبي سلمى مكانة خاصة، لما يتمتع به صاحبها من منزلة رفيعة في تاريخ الشعر العربي، إذ يعد واحدا من أعظم شعراء الجاهلية وأكثرهم حكمة ورزانة، وقد ارتبط شعره بالدعوة إلى السلام وإصلاح ذات البين، وكان من أبرز الأصوات التي مجدت الساعين إلى إنهاء حرب داحس والغبراء، تلك الحرب الطويلة التي أنهكت القبائل العربية. ولم يكن زهير شاعرا عابرا، بل كان شاعرا ينتمي إلى بيت عرف بالأدب والشعر، وهو والد الشاعرين كعب وبجير بن زهير، فيما اشتهر شعره بالحكمة وعمق التجربة ونضج الرؤية، حتى وضعه كثير من النقاد والأدباء في مقدمة شعراء العرب.
وهنا تأتي قيمة ما يقدمه مشاري العفاسي، فهو لا يعيد إلينا قصائد الماضي فقط، بل يعيد إلينا مشاعرها وحكمتها وروحها، ويثبت أن تراثنا الأدبي لا يزال قادرا على أن يتحدث إلى قلوبنا اليوم… وربما بصوت أكثر قربا وتأثيرا من أي وقت مضى.