Note: English translation is not 100% accurate
تركيا أمام وضع جديد «أكثر من تغيير وأقل من انقلاب» وأردوغان تلقى «أكثر من انتكاسة وأقل من هزيمة»
9 يونيو 2015
المصدر : الأنباء
انتهت الانتخابات التركية «المصيرية والمثيرة» الى إحداث تغيير في المشهد السياسي وفي ميزان القوى الداخلي ستكون له انعكاسات هادئة وعميقة داخل تركيا ومستقبل نظامها السياسي ومسار القضية الكردية، وأيضا على صعيد السياسات والخطط الخارجية لاسيما في دول الإقليم والجوار. وقد انتهت هذه الانتخابات بأن حصل حزب العدالة والتنمية على نسبة 41% من الأصوات أي على 259 مقعدا من أصل 550 مقعدا، وهذه النسبة بعيدة جدا عن نسبة الثلثين (376 مقعدا)، غير أن المفاجأة هي أن ما حصل عليه حزب الرئيس رجب طيب أردوغان لم يلامس أيضا عتبة النصف زائدا واحدا البالغة 276 مقعدا. وهذه النتيجة التي تبقي حزب أردوغان في الطليعة ولكن تخرجه خاسرا ومثخنا بالجراح تعني سياسيا وعمليا الآتي:
ـ أن مشروع أردوغان الطموح توقف هنا، عند هذه المعركة الانتخابية التي لم يخضها فقط من أجل التصويت للحزب الحاكم، بل من أجل التصويت للنظام السياسي الجديد الذي أراد تحويله من برلماني إلى رئاسي. وجاءت النتائج لتعلن أنه لا تعديلات دستورية ولا نظام رئاسيا ولا سيطرة مطلقة على الحكم مع إخفاق الوصول الى نسبة الثلثين لإسقاط ما تبقى من «جمهورية أتاتورك» بالضربة القاضية.
ـ أن أردوغان لم يعد قادرا على الاستمرار منفردا في حكم تركيا وأن مرحلة حكومة اللون السياسي الواحد التي عاشتها تركيا منذ العام 2000، حكومة حزب العدالة والتنمية، قد انتهت الآن مع عدم حصول حزب أردوغان على الأكثرية المطلقة، لتعود تركيا الى حقبة الحكومات الائتلافية. غير أن أردوغان يواجه مع أول حكومة ائتلافية موقفا حرجا وخيارات صعبة، وأمامه ثلاثة خيارات أحلاها مر، وهي:
ـ إما أن يتحالف مع الحركة القومية التي تعارض مسار الحل مع الأكراد والتقارب الكبير مع البلدان العربية.
ـ أو أن يتحالف مع حزب «الشعب الجمهوري» العلماني وأكثر المعارضين لسياسة أردوغان في سورية.
ـ أو أن يتحالف مع الحزب الكردي الجديد الذي دخل البرلمان «حزب الشعوب الديموقراطية» الذي يعد واجهة لحزب العمال الكردستاني، والتحالف معه يكلف ثمنا سياسيا باهظا وتنازلات في المسألة الكردية.
لذلك فإن الاعتقاد السائد حاليا في تركيا أن العودة القسرية الى «الحكومة الائتلافية» ستؤدي الى خلل في الاستقرار السياسي والى فشل التجربة الائتلافية بسبب عدم تكافؤ الفرص وموازين القوى، لأن حزب العدالة والتنمية الأقوى وصاحب الأغلبية سيكون مقيدا بحزب ضعيف وفاقدا لحرية الحركة والقرار، وهذا الأمر سيقود عاجلا وفي غضون سنة الى «انتخابات مبكرة».
أما المفاجأة الكبرى ، فكانت تخطي حزب الشعوب الديموقراطية الكردي، عتبة الـ 10% الضرورية لدخول البرلمان ووصل الـ 12.8% متجاوزا كل التوقعات ليحصل على 78 مقعدا. ويدخل الأكراد للمرة الأولى في تاريخ الجمهورية التركية الى البرلمان كحزب سياسي مستقل بعدما وصلوا سابقا وبأعداد صغيرة (بين 20 و30 نائبا) كمرشحين مستقلين.
انتصار الأكراد بصعودهم الى ما فوق الـ 10% كان هو النتيجة المدوية للانتخابات التركية. والذي تسبب
في خسارة العدالة والتنمية ونزوله الى ما تحت الأكثرية المطلقة. فالأكراد أخذوا قرارا جريئا ومجازفا عندما قرروا خوض الانتخابات كحزب لأن هذا القرار كان يعني في ظل النظام الانتخابي التركي (نظام نسبي يحصل فيه كل حزب على مقاعد بنسبة أصوات المقترعين، ولكن أي حزب لا يحق له دخول البرلمان إذا لم يحصل على نسبة 10% من أصوات الناخبين على الأقل)، إما تحقيق الاختراق الصعب والإنجاز التاريخي بدخول البرلمان، وإما خسارة كل شيء و«سطو» حزب أردوغان على مقاعد الأكراد.
ربح الأكراد الرهان وأظهرت النتائج أنه يسيطر على ولايات جنوب شرق تركيا (14 ولاية) غالبية سكانها من الأكراد، وأنه حصل على نسب لا بأس بها في مدن كبرى مثل اسطنبول وإزمير وأنطاليا وأضنة ومرسين.
وفي الواقع فإن عوامل عدة لعبت في مصلحة الحزب الكردي وأبرزها أن نسبة من الناخبين الأكراد المتدينين ممن كانوا يصوتون لأردوغان لم تصوت له هذه المرة. ولعل تخوف البعض من ترسيخ الاستبداد الحالي في حال تحويل النظام الى رئاسي دفع بالعديد من القوى والناخبين الى التصويت للحزب الكردي ليس حبا فيه بل لتمكينه من تجاوز الـ 10% لمنع حصول حزب العدالة والتنمية على أكثرية تمكنه من تعديل الدستور.
كذلك، فقد تقدم حزب «الحركة القومية» الذي يعد محدودا من الناحية العددية (نسبة 3%) ولكنه معبر وله مغزى من الناحية السياسية، ذلك أن نسبة من الناخبين الذين يصوتون لـ «حزب العدالة والتنمية»، ويقدرها البعض بثمانية في المائة (أي ما يقارب المليون صوت) أصيبت بصدمة جراء طريقة تعاطي أردوغان وحكومة أحمد داود أوغلو مع قضايا الفساد والتغطية عليها، وقررت التصويت لـ «حزب الحركة القومية».
علاوة على ذلك، فإن تصفية أردوغان لكل شركائه في حزب العدالة والتنمية وخارجه، من فتح لله غولين الى عبدالله غول، وكل القيادات التي رافقته على امتداد السنوات الـ 12 الماضية، قد دفعت ببعض القواعد الى تغيير وجهة تصويتها بعدما انحرف الرئيس التركي بالحزب من كونه حزبا للحالة الإسلامية الى حزب الفرد المطلق.
ما حدث في تركيا، وهو أكثر من تغيير في المشهد السياسي وأقل من انقلاب سياسي، يعني بالدرجة الأولى واقع تركيا ومستقبلها السياسي لأن الانتخابات أعلنت:
٭ توقف مسيرة أردوغان التصاعدية، وأنه بدأ عده التنازلي بعدما وصل الى الذروة والى رئاسة الجمهورية وحقق أفضل ما لديه وأقصى ما يمكنه.
٭ نهاية مرحلة تفرد حزب العدالة والتنمية وسيطرته المطلقة على الحكم.
٭ العودة الى «الحكومة الائتلافية» مع رئيس جديد للحكومة، وحيث من المتوقع أن يكون أحمد داود أغلو أولى ضحايا الانتخابات وأن يدفع ثمن خسارة حزبه.
٭ فشل مشروع تعديل الدستور والتحول الى النظام الرئاسي.
٭ تغيير في مسار القضية الكردية ووتيرة المفاوضات، وهذا التغيير لا يمكن تحديد وجهته. فيمكن أن يكون إيجابيا في اتجاه الاعتراف بحقوق الأكراد ومطالبهم بعدما فرضوا اعترافا سياسيا بوجودهم وحصتهم في البرلمان ودورهم المؤثر في ترجيح الكفة، وبعدما أصبحوا جزءا من الحياة السياسية التركية ورأوا أن النضال السياسي غير المسلح يوصل الى نتائج، كما يمكن أن يكون سلبيا جراء الضعف اللاحق بأردوغان وحزبه ما سيجعله أقل قدرة على تقديم تنازلات، هذا إذا كان راغبا في تقديمها.
ولكن هذه الانتخابات تعنى المنطقة العربية أيضا بنتائجها، لأن التغييرات الداخلية ستنجم عنها تغييرات خارجية، إذ سيكون من الصعب على حزب العدالة والتنمية مع حكومة ائتلافية الاستمرار في سياساته الخارجية الحالية، وخصوصا في ملف الأزمة السورية وفي ملف العلاقة مع مصر وفي مشروع زعامة العالم الإسلامي «السني» المتنازع عليه مع السعودية، والذي كان حزب العدالة والتنمية توغل فيه من «باب العالم العربي».