Note: English translation is not 100% accurate
رأي
لماذا صُنعت «داعش»؟.. بقلم: عبدالله الغانم
14 يوليو 2015
المصدر : الأنباء

بقلم: عبدالله الغانم
بقايا العرب الأفغان الذين اكتسبوا KnowHow الصناعة اليدوية للأسلحة والمتفجرات من الـ «manual» الأميركي لردع وطرد القوات السوفييتية من أفغانستان، صدموا العالم وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية عندما فجروا برجي التجارة في 11/9/2001، وقد تمكنت هذه الشرذمة القليلة وبإمكاناتها البسيطة من جر أعظم دولة في العالم إلى مستنقع الحروب والاستنزاف في جبهتي الحرب على الإرهاب في العراق وأفغانستان، ومن الجدير أن نقف هنا ونستذكر أن إجمالي العجز الأميركي بلغ 17 تريليون دولار، وتسببت حربا العراق وأفغانستان في 6 تريليونات منها بحسب دراسة نشرتها جامعة هارفرد والتي أعدتها د.ليندا بلايمز.
تسرع بوش الابن بإعلان الحرب على الإرهاب دون أن يحدد ماهية الإرهاب، ودرجة وشكل تهديداته، وأهداف الحرب على الإرهاب، وإلى متى ستستمر، وما مؤشرات نجاح الحرب من عدمها، وما الإستراتيجيات التي ستتبع هذه الحرب، ولماذا تم اتخاذها؟ كل هذه الأسئلة لم تتوافر أجوبتها إلا بعد أن علقت الولايات المتحدة بجبال متراكمة من الديون من دون تحقيق أهداف ملموسة وواضحة ضد المخزون الاستراتيجي للإرهاب العالمي.
بعد 9 سنوات من الحرب على الإرهاب استوعب الأميركان مدى سذاجة هذه الحرب المبهمة، والتي لا تعدو في مجملها عن كونها ردة فعل مبالغ فيها لإرضاء الكبرياء الأميركي دون حسبان سليم لعواقب تلك الحرب، بدليل عدم صحة الأرقام التي أعلنها وزير الدفاع الأميركي بشأن تكلفة الحرب على العراق، فقبل شن الحرب ادعى أن التكلفة في أحلك الأحوال لن تزيد على 100 مليار دولار بينما الواقع أنها وصلت إلى 3 تريليونات دولار تقريبا بحسب دراسة جامعة هارفرد السالف ذكرها.
بعد العام 2010 استعانت الولايات المتحدة بالمطبخ البريطاني لعمل جراحة سياسية وأمنية وإستراتيجية تعالج أخطار وتهديدات الإرهاب العالمي على الأمن الوطني الأميركي بشكل خاص والغربي بشكل عام، وتوصل كل من الطرفين إلى تحديد ماهية التحديات التي تواجههم بهذه الحالة النوعية، ويمكنني هنا الاجتهاد بتوصيف هذه الحالة النوعية التي سيواجهها المطبخ الأنجلو ـ أميركي عند معالجته لتهديد الإرهاب، وفيما يلي تلخيصها في ثلاث سمات مهمة وهي:
أولا ـ في كون الإرهاب فكرا لا تنظيما.
وثانيا ـ كون الإرهاب غير محدد ببقعة جغرافية معينة، ثالثا: لا توجد قيادة مركزية معينة وكيان نظامي واضح الشكل ينظم اعمال معتنقي الفكر الإرهابي في العالم وينسق مع أفراد المحور، وعليه فإن الإرهاب فكر حسي خفي لا يمكن رصد وإحصاء جميع معتنقيه، فهل هم عشرات الآلاف ام مئات آلاف أم بضعة ملايين؟ هل هم اكثر من ذلك أم أقل؟ لا احد يمكنه الإجابة عن هذا السؤال بشكل قطعي ما دام معتنقو هذا الفكر يخفون فكرهم لأن نجاح عملياتهم وتحقيق أهدافها يتطلب منهم إخفاء أفكارهم ونواياهم كي يتحقق عنصر المباغتة الذي يعتمدون عليه لإنزال اكبر خسائر ممكنة في صف المستهدفين، وما دام معتنقو هذا الفكر متخفين فإنه من غير الممكن تحديد أعدادهم وتقدير إمكاناتهم.
وبناء على هذا التوصيف لهذه الحالة النوعية التي تلازم الإرهاب العالمي نتج العلاج الأنجلو ـ أميركي لتهديدات وأخطار الإرهاب، ويتلخص حلهم المطروح والمعمول به حاليا بحسب تصريح عميل الـ CIA المزدوج سنودون في إستراتيجية أطلقوا عليها «عش الدبابير» وهي تهدف إلى إدارة وإعادة هيكلة الإرهاب العالمي بشكل منظم عن طريق خلق قيادة مركزية جديدة وبديلة عن قيادة تنظيم القاعدة، على أن تتمكن هذه القيادة من استقطاب أغلب معتنقي الفكر الإرهابي المتخفين في جميع أنحاء العالم، ولكي تتمكن هذه القيادة الجديدة وأقصد «داعش» من تحقيق هذا الاستقطاب المطلوب منها، فعليها أن تنجز ما لم تتمكن القاعدة من إنجازه لكي تقنع «الذئاب المنفردة» والتنظيمات الإرهابية الصغيرة والمستقلة عن القاعدة وكوادر تنظيم القاعدة نفسها من الالتحاق بها بعد فشل حاملة راية هذا الفكر «القاعدة» في إقامة دولة الإسلام التي يرنو إليها جميع معتنقو هذا الفكر.
أظن أن ذلك يفسر سماح دول المركز لـ 8000 مقاتل داعشي فقط بالسيطرة على بقعة جغرافية مهمة وإعلان دولة الخلافة منها دون أن يدمروا تلك المنطقة على رؤوسهم كما فعلوا مع صدام حسين ومعمر القذافي وطالبان، علما بأن إمكانات الثلاثة المذكورين تفوق إمكانات «داعش» البدائية بأضعاف مضاعفة وبفوارق شاسعة يمكن لأي شخص مميز بلغ السبع سنوات أن يدركها، إلا أن السماح لـ«داعش» بالسيطرة والتمدد على بعض منابع الطاقة لتمويل كيانهم الجاذب والجديد هدفه كما ذكرنا سابقا هو صناعة البديل الجذاب لكوادر القاعدة المتململين ولبقية التنظيمات المستقلة وللذئاب المنفردة «lone wolf» من جميع أنحاء العالم وتكديسهم في هذه البقعة الجغرافية الجديدة لتملأ الفراغ في هذه المنطقة بشكل مؤقت، أو تزاحم القوى الأخرى المنافسة في المنطقة على هذا الفراغ من ناحية، ولتنتظر اكتمال نضوج هذا العش حتى يتضح كيانه وأعداد أفراده «الإرهابيين المتخفين» من ناحية أخرى، وعندما يكتمل هذا التكدس يصبح الوقت مناسبا لإنزال ضربة قاصمة تدمر اغلب المخزون الاستراتيجي لهذا الفكر المتطرف الذي يهدد العمق الأمني لدول المركز.