اعلم - أيها الودود - إذا اختلف المرء إلى أهل الفضل والعلم والمروءة، وأكثر من لقائهم وزيارتهم، تخلق بأخلاقهم، وقبس من سمتهم ونورهم وإليك جملة من تلك الآثار.
أ - يُروى أن الأحنف بن قيس قال: «كنا نختلف إلى قيس بن عاصم نتعلم منه الحلم كما نتعلم الفقه».
ب - كان أصحاب عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يرحلون إليه، فينظرون إلى سمته، وهديه، ودله، قال: «فيتشبهون به»، غريب الحديث (3/383).
ج - قال الإمام مالك: قال ابن سيرين: «كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم.
قال: وبعث ابن سيرين رجلا فنظر كيف هدي القاسم (هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق) وحاله «الجامع لأخلاق الراوي» (1*79).
د - قال القاضي ابو يعلى - رحمه الله : روى ابو الحسين بن المنادي بسنده إلى الحسين بن إسماعيل قال: سمعت أبي يقول: «كنا نجتمع في مجلس الإمام أحمد زهاء خمسة آلاف أو يزيدون، أقل من خمسمائة يكتبون، والباقي يتعلمون منه حسن الأدب، وحسن السمت».
هـ - قال إبراهيم بن حبيب بن الشهيد لابنه: «يا بني، ائت الفقهاء والعلماء، وتعلم منهم، وخذ من أدبهم وأخلاقهم وهديهم، فإن ذاك أحب إلي لك من كثير من الحديث».
و - وقال الأعمش: كانوا يأتون همام بن الحارث يتعلمون من هديه وسمته.
ز - قال ابن القاسم - رحمه الله تعالى -: «كنت آتي مالكا غلسا، فأسأله عن مسألتين، ثلاث، أربع، وكنت أجد منه انشراح الصدر، فكنت آتي كل سحر، فتوسدت مرة في عتبته فغلبتني عيني فنمت، وخرج مالك إلى المسجد فلم أشعر به، فركضتني سوداء له برجلها، وقالت لي: إن مولاك لا يغفل كما تغفل أنت، اليوم له تسع وأربعون سنة ما صلى الصبح إلا بوضوء العتمة».
ح - زرت شيخنا الإمام الألباني - رحمه الله تعالى - في بيته، في الأردن، وقد شاهدت من هديه في تنظيم وقته، وطريقة استخدامه للكهرباء، وصلاته، وطريقة جلوسه، ومحاورته، واستخدامه للهاتف، وكان - رحمه الله - إذا دخل غرفة فتح نورها، وإذا خرج منها اطفأ نورها، وهكذا يفعل مع كل غرفة، وأفدت من استخدامه للورق بما لا ضياع منها، فكان له معجم للحديث يكتب على ظهر الورقة بعض الأحاديث بأسانيدها من مخطوطات المكتبة الظاهرية، وخلف الورقة دعاية، أو دعوة زفاف، أو أخبار الصحف، وربما سألنا عن صحة الحديث، وهو علامة العصر في الحديث، فلله دره من إمام نادر.