بقلم: عبدالإله قاسم (ابو القاسم) أمين السر الأسبق لتنظيم حركة «فتح» في الكويت نائب المعتمد
مع تصاعد وتيرة الحديث عن المؤتمر العام السابع لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) الذي سيعقد في التاسع والعشرين من نوفمبر الجاري (ذكرى صدور قرار تقسيم فلسطين عام 1947) ولأسباب عديدة لا ضرورة لذكرها الآن وقد نعرض لها مستقبلا (ان بقي في العمر بقية) تعود بي الذاكرة لمؤتمرين اقليميين لتنظيم حركة فتح في الكويت، ذلك التنظيم الذي كان نواة تنظيم حركة فتح من صفوفه خرج معظم قاده الحركة الأوائل وبعد هزيمة حزيران عام 1967 وانتقال الثقل التنظيمي الى الأردن وتاليا لبنان أصبح تنظيم الحركة في الكويت يعتبر في المرتبة الثانية من حيث الأهمية والتأثير بعد تنظيم المركز ولم تأت هذه المكانة من فراغ وإنما بسبب الوضع المتميز الذي كانت تتمتع به الجالية الفلسطينية في الكويت والتي قضى عليها موقف القيادة الفلسطينية المشين والغبي من احتلال العراق للكويت.
والسبب الآخر الذي رفع تنظيم الكويت الى هذه المكانة أجواء الحرية التي كانت الكويت توفرها للعمل الشعبي الفلسطيني على جميع المستويات اضافة الى الدعم المادي والمعنوي الذي كانت تقدمه الكويت على الصعيدين الرسمي والشعبي لحركة فتح تحديدا.
نعود للمؤتمرين المشار اليهما آنفا وهما المؤتمر الإقليمي الثالث الذي انعقد في الكويت في أواخر صيف 1973 والمؤتمر الإقليمي الخامس الذي انعقد أيضا في الكويت في ديسمبر 1987.
كان عدد الأعضاء العاملين في تنظيم حركه فتح في الكويت يتجاوز بضعة آلاف يشكلون وفقا للنظام الداخلي المعمول به آنذاك ثمانية مناطق تنظيمية جميعها عقدت مؤتمراتها وقامت بتسمية الأعضاء الدين يمثلونها في المؤتمر الإقليمي وفقا للنظام المرعي، وهنا اذكر مع كل الاحترام والتقدير لجميع أعضاء المؤتمر بعض الأسماء التي كان لها دور مميز في أعماله وهم: الأخ سليم الزعنون (ابو الأديب) رئيس المجلس الوطني الفلسطيني حاليا، الأخ علي الحسن من المؤسسين وشقيق المرحومين بإذن الله خالد الحسن وهاني الحسن، الأخ الشهيد علي ناصر ياسين مدير مكتب منظمة التحرير في الكويت (لدي قناعه أن المخابرات الاسرائيلية وراء اغتياله خلافا للرأي القائل بأن القاتل من جماعه ابو نضال)، د. امين الأغا من أشهر الأطباء الجراحين في الكويت، المهندس المرحوم نبيل الشريف، الأخ المرحوم عبدالعزيز السيد (ابو إيهاب)، د. حسام ابو شعبان، الأخ المرحوم رفيق قبلاوي (ابو زياد)، ومن المشاركات في المؤتمر من تنظيم المرأة: الأخت سلوى ابو خضرة والأخت هند الحسيني والأخت عبيدة الكاظمي.
وانتدبت دائرة التعبئة والتنظيم للإشراف على المؤتمر اثنين من خيرة أبناء الحركة: المرحوم بإذن الله عبدالكريم العكلوك (الذي كان معتقلا في السجون السورية وأفرج عنه بعد هزيمة الـ 67) والشهيد الدكتور عصام سرطاوي وهو من ألمع وأذكى العقول الفلسطينية الذي كان قبل التحاقه بفتح الأمين العام للهيئة العاملة لتحرير فلسطين والتي حلها وانضم مع أعضائها لحركة فتح ايمانا منه لتوحيد بندقية المقاومة، وهذا العلم اغتاله مجرم من أتباع صبري البنا (ابو نضال) عام 1983 في لشبونة.
وقامت الهيئة المشرفة على المؤتمر بالتثبت من صحة عضوية الأعضاء وسلامة وقانونية الإجراءات التي انعقد في ظلها المؤتمر، وفي الجلسة الأولى جرت عملية انتخابات لتسمية رئيس المؤتمر ونائبة وقد شرفني اخواني الأعضاء بانتخابي رئيسا للمؤتمر وانتخاب الأخ العزيز زهير الخطيب المشهود له بالكفاءة نائبا للرئيس.
وفي نهاية الجلسة الأولى تم تشكيل اللجان التالية: اللجنة السياسية، لجنة التنظيم، لجنة التنظيمات الشعبية، لجنة القطاع الغربي، لجنة منظمة التحرير.
وكان من اهم النقاط على جدول اعمال المؤتمر: الوضع الراهن للقضية الفلسطينية وحركة فتح، وشؤون الجالية الفلسطينية في الكويت.
وتولت اللجنة السياسية أمر البند الأول واضعة رؤيتها في تقرير سأعرض له بشيء من التفصيل للقدر الذي يسمح به المقام وبأكبر قدر من الموضوعية، مشيرا الى أن كل ما ورد في هذا المقال يستند الى الذاكرة، راجيا من كل من له علاقة تصويب اي خطأ يرد فيه إن وجد.
اللجنة السياسية
كان من المتعارف عليه ان يتولى رئيس المؤتمر رئاسة اللجنة السياسية وهكذا كان. وأذكر انها كانت تضم في عضويتها خيرة ابناء الحركة على رأسهم المرحوم بإذن الله تعالى المشهود له بالنزاهة م. نبيل الشريف وهو ذو خلفية قومية (بعثية تحديدا) والأخ علي الحسن (ابو ايمن) من القادة المؤسسين المعروف بمواقفه الواضحة والحاسمة ورفض كل ما يتعلق بالحلول السلمية.
وتضمن تقرير اللجنة نبذة تاريخية عن مرحلة تأسيس الحركة خاصة مرحلة الانطلاقة الأولى عام 1965 والانطلاقة الثانية بعد هزيمة حزيران عام 1967 التي اعتقد شخصيا ان ما جرى ويجري من أحداث في منطقتنا ما هو الى ارتدادات للزلزال الذي احدثته تلك الهزيمة النكراء التي فوجئ العالم كله بها وبنتائجها (العدو والصديق).
وتم استعراض مرحلة تواجد الحركة في الاردن وما رافقها من ممارسات خاطئة وبشكل خاص ترك الفدائيين لقواعدهم بالأغوار والتوجه الى المدن بكامل أسلحتهم ومباشرتهم في مصادرة دور السلطة الشرعية بالتدخل في شؤون الناس الحياتية وخلص التقرير بأن حمل حركة فتح قدرا كبيرا من المسؤولية عن أحداث أيلول 1970 وما تلاها بالأردن.
وتطرق التقرير الى ما بدأ يتسرب من معلومات عن نية الحركة في المشاركة في الحلول السلمية التي كان يجري الحديث عنها بمناسبة توقعات حرب اكتوبر 1973 وما يمكن ان يترتب عليها من نتائج تطبيقا للسياسة المرحلية في النضال بالقبول بإقامة سلطة وطنية فلسطينية على أي جزء من فلسطين ينحسر عنه الاحتلال، وكانت كل هذه الأفكار مرفوضة وغير موافق عليها بإجماع أعضاء اللجنة. تقدمت اللجنة بمشروع وتصور للتعامل مع الوضع الراهن وتصويب مسيرة الحركة النضالية والالتزام بمبادئها الأساسية وهو ما اتفق على تسميته بنظرية التفجير المتسلسل، وأنا أرى أنه كان خارطة طريق للعمل الفلسطيني في تلك المرحلة.
وأشار المشروع في مقدمته الى ان حركة فتح انطلقت أساسا بهدف تحرير الجزء المغتصب من فلسطين عام 1948 وكانت الضفة الغربية جزءا من المملكة الأردنية الهاشمية وكان قطاع غزة تابعا للإدارة المصرية وتحت إشرافها وجرى احتلالهما عام 1967 وتتحمل كلتا الدولتين المصرية والأردنية وزر الاحتلال وعلى عاتقهما تقع مسؤولية تحريرهما (وتقتضي الأمانة الإقرار بشكل مؤكد أن المغفور له بإذن الله الملك حسين كان على استعداد تام لتحمل المسؤولية في هذا الصدد لغاية قرار فك الارتباط عام 1988).
وتقدم المشروع باقتراحات عمليه لتطبيقها على طريق الإصلاح:
أ ـ العمل على إقامة علاقات طيبة ومتينة مع ما كان يسمى دول الطوق وهي الأردن، سورية، مصر، لبنان، والسعي لمصالحة النظام الأردني والاقرار له بالمسؤولية عن الضفة الغربية وعدم منازعته فيها وإطلاق يده في العمل على استعادتها باعتبارها جزءا لا يتجزأ من المملكة الأردنية الهاشمية وتقوم الحركة بتقديم كل مساعدة ممكنة ومطلوبة للأردن وكذلك الأمر مع مصر فيما يتعلق بقطاع غزة.
ب ـ العودة الى سرية التنظيم ومعالجة الآثار السلبية التي نتجت عن المد الجماهيري الذي حصل بعد معركة الكرامة وما رافقت تلك المرحلة من أخطاء منها الظهور العلني لجميع قيادات الحركة ومعظم كوادرها بأن يتم إلحاق جميع الكوادر والأعضاء المكشوفين بمؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وممارسة عملهم النضالي من خلالها والعمل على تكوين تنظيم سري ملتزم بمبادئ الحركة للعمل على استمرار النضال للأرض المحتلة عام 1948 ويقتصر عمله فيها.
وقد أثارت هذه الاقتراحات نقاشا حادا في قاعة المؤتمر واتهم بعض أعضاء اللجنة بالعمالة للمخابرات الأردنية والعمل على تقويض وإضعاف حركة فتح وتقوية منظمة التحرير وكان وراء هذه الاتهامات بعض أعضاء اللجنة المركزية وعلى ما اذكر فقد أقر المؤتمر ما ورد في تقرير اللجنة السياسية.
هذه الأفكار التي تم طرحها في المؤتمر ربما كان بعضها صالحا وممكن التطبيق في حينه فلم يكن قد مضى على هزيمة حزيران 1967 غير ست سنوات فقط ولم يكن في الضفة الغربية غير بعض المستوطنات وعدد محدود جدا من المستوطنين أما في الوقت الحاضر فالأمر مختلف كثيرا.
وفيما يتعلق بالبند الثاني على جدول اعمال المؤتمر الخاص بشؤون الجالية الفلسطينية بالكويت فقد كانت مدارس منظمة التحرير هي الموضوع الذي استحوذ على نقاشات المؤتمر وللتوضيح لابد من شرح موجز عن هذه المدارس.
وكان معظم ذوي الدخل المتوسط وما دونه من الفلسطينيين العاملين في الكويت يعيشون بدون أسرهم (عزابا) قبل عام 1967، وعند حصول الاحتلال تدفق عدد هائل من العائلات الى الكويت للالتحاق بمعيليهم وكان بينهم إعداد كبيره من الأطفال في مراحل تعليمية مختلفة ولعدم إمكانية استيعابهم في المدارس الحكومية تم الاتفاق على ان تتولى منظمة التحرير أمر تعليم أبناء الجالية واستعمال أبنية المدارس الحكومية في الفترة المسائية وتساهم الكويت بنسبة معتبرة من النفقات وقد قامت المنظمة بتلك المهمة بكفاءة عالية واستقلالية كاملة مستعينة بمدرسين فلسطينيين أكفاء وبرواتب رمزية.
وكان بعض أعضاء المؤتمر لديهم ملاحظات على أخطاء ومحسوبيات في الجهاز الإداري للتعليم ولكن ردود وتوضيحات الإخوة المسؤولين في مكتب المنظمة كانت مقنعة.
المؤتمر الإقليمي الخامس لحركة فتح بالكويت
بالمصادفة المحضة كان موعد انعقاد المؤتمر الإقليمي الخامس بالكويت بتاريخ ٧/١٢/ ١٩٨٧ أي قبل يوم واحد من (حادث الدوار) الذي كان الشرارة التي أطلقت الانتفاضة الأولى.
والأمر الذي لم يكن مصادفة هو زيارة الأخ ابو عمار للكويت في ذلك التاريخ فقد كان، رحمه الله، كثير التردد على الكويت وكان يجد فيها مكانا يلجأ اليه كلما ضاق صدره وضاقت عليه الأرض بما رحبت وكثيرة تلك اللحظات التي كان يواجهها ابو عمار في حياته النضالية الا انه في هذه المرة حضر اليها والعلاقات مع الكويت يشوبها فتور سبب بعض الجفاء وذلك نتيجة لما كان يرد للمسؤولين الكويتيين من الداخل الفلسطيني من ملاحظات سلبية على طريقة صرف الأجهزة الرسمية الفلسطينية للمساعدات في الداخل وما كان يتردد من اخبار عن هدر الأموال، مضافا اليه بعض تجاوزات جهاز أمن فتح بالكويت وابرزها قضية حملت الرقم ٦١٣/٨٢ جنايات المتهم فيها احد أعضاء المجلس الثوري حاليا وشخص آخر كان مسؤول جهاز الأمن لحركه فتح آنذاك وقد حكم عليهما غيابا بالسجن بجريمة تهمة حجز شخص في غير الأحوال التي يقررها القانون (مكتب فتح) مع التعذيب النفسي والبدني، وما زاد في غضب المسؤولين الكويتيين هو قيام الحركة بتهريب المتهمين المذكورين الى خارج الكويت، بناء على كل ما تقدم وأمور أخرى لا مجال لذكرها الان، اتخذت الكويت قرارا بتقديم الدعم مباشرة للمؤسسات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وبمستوى محدود جدا من التنسيق مع مسؤولي المنظمة.
وقام الأخ أبو عمار بافتتاح المؤتمر الإقليمي الخامس لحركة فتح في الكويت والذي أستطيع ان أقول انه كان مؤتمر لانتخاب قيادة جديدة لتنظيم الحركة في الكويت ومناقشة بعض الأمور الخاصة بالحركة، وفي جلسة الافتتاح وبحضور الأخ أبو عمار، رحمه الله، كانت لي مداخلة من ضمن ما قلته فيها: ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» وقياسا على هذا الحديث الشريف أقول: إن في الشعب الفلسطيني مضغة إذا صلحت، صلح الشعب كله وإذا فسدت، فسد الشعب كله ألا وهي منظمة التحرير، إن في منظمة التحرير مضغة إذا صلحت، صلحت المنظمة كلها وإذا فسدت، فسدت المنظمة كلها ألا وهي حركة فتح، إن في حركة فتح مضغة إذا صلحت، صلحت الحركة كلها واذا فسدت، فسدت الحركة كلها ألا وهي اللجنة المركزية، وبهذا انهيت مداخلتي وأذكر أن الأخ عزام الأحمد همس في أذني وهو يضحك بضحكته المعروفة: لماذا لم تكمل حتى القائد العام؟ فأجبته إنه عضو لجنة مركزية. اكتفي بهذا الحديث عن المؤتمرين المذكورين، متمنيا للمؤتمر العام السابع التوفيق.