بيروت: ردة الفعل على حكومة العهد الأولى، حكومة الحريري الثانية، في أوساط الطائفة السنية بشكل خاص، وفي أوساط مسيحية معارضة (الكتائب والأحرار والأمانة العامة لـ 14 آذار) بشكل عام، جاءت سلبية وعكست أجواء عدم رضا وعدم ارتياح ومشاعر قلق، وتضمنت كمية من الانتقادات بحق الرئيس سعد الحريري لموافقته على هذه الحكومة. ويمكن اختصار هذه الحالة الاعتراضية وأسبابها، واستنادا الى قراءة هذه الأوساط، في النقاط التالية:
1 ـ هذه الحكومة رسخت نفوذ حزب الله وسيطرته كما لم يحصل في أي حكومة سابقة منذ العام 2005. والحزب مع حلفائه تجاوز الثلث المعطل (11) ليمتلك النصف زائدا واحدا (16 صوتا) ويستحوذ على قرارات الحكومة في كل المسائل والملفات غير الأساسية. وبالتالي حصل تبادل مواقع وأدوار بين الحزب والمستقبل الذي صار طموحه أن يكون له الثلث المعطل وحق الفيتو، وبالكاد هو يضمن هذا الثلث.
2 ـ الحكومة شهدت، وللمرة الأولى منذ العام 2005، بداية عودة النفوذ السوري السياسي مع صعود حلفاء دمشق المباشرين الى قطارها، مع ما عناه ذلك من أن دمشق باتت لها حصة خاصة و«صافية» في الحكومة، مستقلة عن حصة حزب الله ومتداخلة معها في آن.
3 ـ التشكيلة الحكومية تضمنت اسمي وزيرين يصنفان في الوسط السني «استفزازيين» ومن أصحاب اللون السياسي الفاقع، وفي موقعين وزاريين على درجة من الأهمية والحساسية: وزير الدفاع يعقوب الصراف ووزير العدل سليم جريصاتي. فهذان الرجلان مقربان من الرئيس ميشال عون وانخرطا في سياسة وأنشطة تكتل الإصلاح والتغيير، ولكنهما يدينان بالولاء السياسي لحزب الله ودمشق بعدما كانا انطلقا سياسيا من عند الرئيس إميل لحود وفي عهده، وبالتالي فإنهما يعدان من «ودائع» النظام السوري وحزب الله عند رئيس الجمهورية.
يبدو أن الانتقال مرة واحدة من أشرف ريفي الى سليم جريصاتي في وزارة العدل، وهو ليس بالانتقال السلس وسيتم من دون عملية تسليم وتسلم، «لم يقطع» في الأوساط السنية بهدوء، خصوصا أن له علاقة بملف المحكمة الدولية وقضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري. كما يبدو أن وصول يعقوب الصراف الى وزارة الدفاع لم يمر أيضا مرور الكرام في هذه الأوساط. وإضافة الى أن هذا التعيين ألغى مفاعيل تعيين معين المرعبي (كلاهما من عكار وجاءت ردة الفعل الاحتفالية على تعيين الصراف أوضح وأكبر من ردة الفعل على تعيين المرعبي)، فإن الصراف تسلم موقعا حساسا له علاقة مباشرة بالمؤسسة العسكرية (الجيش اللبناني) بصفته وزير الوصاية وله علاقة غير مباشرة بمسألة سلاح حزب الله.
4 ـ لا يمكن الاستخفاف بالحكومة الجديدة، أي التقليل من شأنها وأهميتها واعتبارها حكومة انتقالية مؤقتة ومحددة في مهمتها وفي عمرها القصير. هذه الحكومة يمكن أن تبقى أكثر من 6 أشهر في حال لم يتم الاتفاق على قانون النسبية واستدعى الأمر تمديدا تقنيا للمجلس النيابي ولم تحصل الانتخابات، كما أن هذه الحكومة ليست فقط حكومة انتخابات وإنما هي أيضا، وهذا هو الأهم «حكومة تعيينات» حيث العشرات من المراكز الشاغرة في إدارات الدولة، ولا سيما في وظائف الفئة الأولى وقادة المؤسسات العسكرية والأمنية ورؤساء مجالس المؤسسات والإدارات. وفي ظل حكومة تعاني اختلالا في ميزان القوى لمصلحة حزب الله وحلفائه، فإن وضعا جديدا سينشأ في إدارات الدولة مع حصول أول عملية دخول منظم ينفذها الحزب الى داخل إدارات الدولة للإمساك بمفاصلها.
5 ـ عامل قلق مستجد لدى هذه الأوساط يرتبط بإمكانية حصول تحول في موقع ودور الرئيس ميشال عون بدأت أولى بوادره مع تشكيل الحكومة وبالطريقة التي جرت فيها، ويمكن أن يزداد وضوحا مع الوقت، بحيث لا يعود الرهان على أن «عون الرئيس» هو غير «عون السياسي» رهانا في محله، خصوصا أن رئيس الجمهورية بات الحلقة الأقوى في الحكم مستحوذا على وزارات تعطيه الإشراف المباشر على السياسة الخارجية والجيش والقضاء والاقتصاد والطاقة وحتى ملف النفايات. في وقت بات الحريري يمثل الحلقة الاضعف في الحكم ويخوض فعلا مغامرة محفوفة بالتحديات والمخاطر، وموجود في وضع لا يستطيع التقدم ولا التراجع، فإذا قرر المواجهة يغامر بوجوده في رئاسة الحكومة، وإذا قرر «التغطية والمهادنة» يغامر برصيده السياسي والشعبي والانتخابات المقبلة.