بيروت ـ جويل رياشي
لم يكن النشاط في مدينة جبيل عاصمة السياحة العربية 2016 مقتصرا في النصف الثاني من ديسمبر على تدفق السياح لرؤية الشجرة الميلادية العملاقة وتفقد مرافقها في الشارع الروماني القديم من مدخل المدينة، كان الموعد ثقافيا ايضا في «الباب العالي» الشهير، الذي استعمل لوجهات عدة، الى ان حط فيه معرض الكتب المستعملة والقديمة بالبيع أو المبادلة، من تنظيم جمعية «بوك يارد».
وكان لقاء في المبنى الاثري القديم مع الروائي جبور الدويهي للحديث عن عمله الأخير «طبع في بيروت»، في حضور اصدقاء ومهتمين وقراء متابعين لابن زغرتا.
اما الجديد فكان حضور تلامذة من مدرسة الاخوة المريميين جبيل، وهي تحمل الاسم الاول من المدرسة التي درس فيها الدويهي بطرابلس.
وكانت لافتة نقاشات التلامذة واسئلتهم وقد طرحت صبية السؤال الاهم: «هل هذه الرواية الأخيرة لك تطبع ورقيا؟». فرد صاحب «مطر حزيران» على وقع زخات المطر التي سمعت بوضوح من الخارج: «ما بعرف. ربما سيقتصر استعمال الورق على الوجهة الصناعية. اما طباعة الكتب وغيرها فقد تكون الى زوال».
بين دور الجمعية التي تتخذ من السوق القديم مقرا لها، بدعم من بلدية الجبيل الحريصة على اظهار الوجه الثقافي للمدينة، وبين متحمسين، أحدهم قبطان بحري معتزل انتقل الى هواية جمع القطع القديمة ودخل «عالم الدويهي» كما قال، الى طبيب عمشيتي حضر وزوجته الطبيبة المغربية التي قرأت العملين الأخيرين للدويهي («شريد المنازل» و«حي الأميركان»)، كانت نقاشات عن واقع الكتب ودور النشر والطباعة، وصراع البقاء بين الروائي من جهة والناشر الذي ينتصر اساسا للأولويات التجارية.
اجاب الدويهي عن كل الاسئلة، وعرض بشفافية لطريقته في الكتابة، من خلق مسرح ضيق المكان يضع فيه الابطال ويجذب اليه القراء مثل «عين وردة» و«حي الاميركان» و«ريا النهر»، والتي كانت أمكنتها الجغرافية على التوالي في عين سعادة وطرابلس والمرداشية بزغرتا، وصولا الى عمله الأخير حيث تدور الاحداث في المطبعة بجامعة القديس يوسف التاريخية في أحد احياء الاشرفية البيروتية. كشف الدويهي شخصيات روايته المستوحاة من كبار بينهم غسان تويني ورياض الريس وفارس ساسين، وآخرين التقاهم مصادفة مع اصدقاء من بينهم صاحب الماخور في ساحة البرج.
وعرض لتأثره بروايات قرأها وأفلام بينها «اسكندرية ليه؟» ليوسف شاهين، حيث اعجب باسم بطلته اليونانية، فبحث في الاسماء الى ان دله شريف مجدلاني على اسم عمته بيرسيفون الذي أطلق على بطلة الرواية.
تركزت النقاشات على القراءة، واهتمامات الاجيال. واستعاد المشاركون تجاربهم كل في مدرسته حول طريقة تلقينه الدروس والنصوص. واستذكر الدويهي استاذ اللغة الفرنسية طريقة تلقينه تلامذة الفرير بطرابلس اعمال الكاتب الفرنسي جان راسين بطريقة مسرحية بالخروج من الصف ثم الدخول اليه وكأنه أحد ابطال العمل.
وقال: «وبهذه الطريقة حفظنا المئات من النصوص». كذلك اسهب الحاضرون في عرض تجاربهم مع القراءة والاعمال التي تعرفوا اليها عبر الترجمات من كتاب أميركا اللاتينية وأوروبا والعرب وصولا الى اليابان. وكانت النتيجة قلق على القراءة عبر الورق، وما سيختاره الجيل الجديد، في ضوء اعلان صحف عدة نيتها الاقفال الشامل وتحول بعضها الى مواقع الكترونية.
انتهت الأمسية بجولة في السوق القديم للمدينة التاريخية، وباستمرار النقاشات على المائدة في مكان آخر، بعد رفع الجلسة حيث عقد اللقاء لإتاحة المجال أمام التلامذة للعودة الى منازلهم.
وبدا واضحا الاختلاف في طرائق التعليم والتلقين والتحصيل الثقافي بين الاجيال، من دون حسم تفوق أحد على آخر، اذ ان لكل جيل زمانه.
وحدها المدينة ربما تعرف الجواب، لأنها شاهدة على عصور عدة، ومنها انطلقت الابجدية، وهي تأبى إسقاط صفة الحرف عنها، والتحول بالكامل الى وجهة سياحية متوسطية وعالمية.