- تشغيل شبكة الكهرباء تم بعد 21 يوماً من التحرير والصليبخات وأجزاء من الضاحية ومدينة الكويت وكيفان والشامية أولى المناطق المضاءة
- جميع المعدات وأسطول التناكر والفرق الفنية كانت مرابطة في السعودية بانتظار التحرير وإشارة العبور
- وقعنا 12 عقداً رئيسياً تختص بالشبكة الكهربائية والمائية في البلاد آخذين بعين الاعتبار أننا سنبدأ من الصفر
- عقب التحرير استيقظنا على صوت الانفجارات وحين رأينا الدبابات والآليات العراقية أيقنا بأننا في حالة احتلال حقيقي
- أول إجراء في اللحظات الأولى للاحتلال هو إقفال خط الغاز العراقي الى الكويت وتحويل المحطات الكهربائية للعمل على النفط الخام
- صباح يوم الاحتلال التقيت الجيش العراقي على الدائري الخامس مقابل منطقة الرقعي في طريقي إلى مبنى الوزارة
- طُلب مني العمل مع القيادة العراقية فرفضت رفضاً قاطعاً ودخلت بعدها في لائحة المطلوبين
- سماع كلمة «تحرير» من مسؤول حكومي أعادت إلينا الأمل الذي فقد من هول ما رأيناه طوال 11 يوماً بقينا فيها في البلاد
- توريد معدات وأدوات صيانة وغيرها أول عقد وقّعته الدولة مع الألمان في طوارئ الكهرباء والماء لمرحلة ما بعد التحرير
- 20 وحدة متنقلة لتحلية المياه في الصليبية ضمن خطة الطوارئ وما زالت موجودة حتى اليوم
- 10 بواخر عملاقة تم تحويلها لتشكل قافلة لنقل المياه النظيفة من دول الخليج إلى الكويت
- شراء 370 مولداً كهربائياً تعمل بالديزل استخدمت لإضاءة البلاد قبل تشغيل المحطات وديوان الشايع في الشامية أول مكان أضيء عبرها
- أول طائرة حطت في مطار الكويت ثاني أيام التحرير تحمل مختبراً كيماوياً متكاملاً لفحص مياه الخزانات وخلوها من المواد السامة
- التناكر التركية وعددها 750 بدأت تدخل الكويت محملة بالمياه من السعودية في اليوم الثاني للتحرير
حوار: دارين العلي
هي قصة من آلاف القصص التي حاكها الاحتلال العراقي للبلاد، وكان أبطالها أناسا آمنين يخططون لحياة افضل ويطمحون لبناء وطنهم وتطوير قدراته.
قصة مشابهة في التوقيت والاحداث لكل القصص التي يلعب دور البطولة فيها كل من عايشوا الاحتلال الغاشم منذ لحظاته الاولى، وقاوموا كل على طريقته سواء من الداخل أو الخارج، وكل وفق تخصصه وعلومه وقدراته لتعود الكويت الى أهلها، وهكذا كان.
وقصتنا التي نسردها في سطورنا المقبلة لا تشذ في الشكل والزمان والمكان عن كل قصص تلك الفترة، ولكنها مختلفة في المضمون، مختلفة في نوع المقاومة والتضحية، فجميعنا يعرف مثلا قصص آبار النفط وإطفائها وهي رمز للمقاومة وحب الوطن والتضحية بعد التحرير، ولكن هل تساءل أحد منا ونحن خارجون من حرب كيف تم تأمين عودة مياه الشرب والكهرباء الى البلاد بعد أن دمر جيش العدو اغلب محطات القوى وعطل الشبكات الكهربائية والمائية وقطع الكهرباء والماء عن البلاد؟ قصة يرويها لنا الوكيل المساعد لشؤون محطات القوى وتقطير المياه والشبكات الكهربائية أثناء الاحتلال د. حمود العنزي، الذي أعد خطة الكويت لإعادة تشغيل الكهرباء والماء في البلاد، حيث كان ضمن فريق الطوارئ الذي عمل في الولايات المتحدة الامريكية لوضع الخطط لكويت ما بعد التحرير، في وقت كانت الصواريخ تتساقط من كل حدب وصوب والدبابات تعيث فسادا وتخريبا، ولكن كان هناك الأمل، فكانت القصة منذ البداية.
بدأت القصة فجر يوم الخميس الثاني من أغسطس عام 1990 عندما استيقظنا عند الخامسة على أصوات الانفجارات التي هزت أركان منزلنا، حيث كنت أسكن في منطقة الصباحية.
وكانت وظيفتي في وزارة الكهرباء والماء كوكيل مساعد لشؤون المحطات والشبكات الكهربائية تحتم عليّ الانتباه الى أدق الامور الخاصة بالمحطات، وفور سماع صوت الانفجارات، اتصلت بنائب رئيس المهندسين آنذاك م.حامد الخالدي، وكان يسكن في الجهراء، واستفسرت منه عن هذه الانفجارات وعما اذا كان لديه أي علم حول سلامة محطات الكهرباء، فكان جوابه بأنه يرى من نافذة منزله دبابات وآليات عراقية تمر أمامه، وحينها علمنا بأننا في حالة احتلال حقيقي.
إعلان حالة الطوارئ
وبحكم مسؤوليتي أعلنت مباشرة حالة الطوارئ في المحطات وأقفلنا خط الغاز العراقي الذي كان يغذي شبكة الغاز في الكويت في ذلك الوقت، وبدأنا بتنفيذ عمليات الطوارئ في المحطات، والتي تقتضي تغيير وقود المحطات بحيث تعمل على النفط الخام بدلا من الغاز والنفط الثقيل الذي نحصل عليه من مصافي النفط وبالتالي في حال توقف المصافي لن يصل النفط الثقيل الى المحطات أما النفط الخام فنحصل عليه في جميع الاحوال من خطوط النفط دون الحاجة لعمل المصفاة.
غرفة عمليات
عند السادسة صباحا توجهت الى الوزارة وكانت في منطقة الرقعي وقتذاك، والتقيت في طريقي إليها بالجيش العراقي على الدائري الخامس مقابل منطقة الرقعي، وفور وصولي الى المكتب حاولنا الاتصال بالمحطات وأقمنا غرفة عمليات داخل الوزارة لمتابعة كل الأمور أولا بأول.
عند السابعة والنصف صباحا شاهدنا من نافذة مكتبنا في الوزارة المطل على قيادة الجيش والحرس الوطني في الرقعي، شاهدنا آليات عراقية تتقدم باتجاه قيادة الحرس الوطني وبدأت بضربها فرد الجيش الكويتي والحرس الوطني على النيران، واستمر تبادل اطلاق النار منذ ذلك الوقت وحتى منتصف الليل.
رفض وقف المحطات
ومنذ ذلك اليوم والى تاريخ 13 أغسطس بقيت في الكويت أتنقل بين المنازل وأتواصل مع المحطات ومراكز التحكم بهدف المحافظة على تشغيل الكهرباء والماء، ولكن يوم الثامن من أغسطس اتصل بي مدير مركز التحكم الوطني وكان فلسطيني الجنسية واسمه جودت سليمان، وقال ان هناك ضابطا عراقيا يريد إيقاف محطة الشعيبة عن العمل، فتحدثت له وقلت إن المحطة هي مصدر الكهرباء والماء في البلاد ولا يمكن إيقافها باي شكل من الأشكال، فقال إنه سيراجع قيادته بالأمر، وبعد ربع ساعة كلمني مرة أخرى وقال نحن موافقون على عدم ايقاف المحطة، ولكن نريدك أن تأتي للقيادة للعمل معنا، فرفضت ذلك رفضا قاطعا وأفهمته بأنني لست مستعدا للعمل معهم بأي شكل من الأشكال.
ضمن لائحة المطلوبين
وعلمت بعدها بأنني دخلت لائحة المطلوبين، وأن الجيش العراقي يبحث عني ضمن قائمة طويلة من المسؤولين، وقد قاموا بتفتيش منزلي، فقررت حينها أن أترك البلاد بعد أن ضاقت بي الامور، وحفاظا على حياة أولادي، ووصلنا الى الاراضي السعودية عن طريق البر عبر كبد، مباشرة الى الدمام حيث مكتب شؤون الكويتيين برئاسة وزير الداخلية في ذلك الوقت الشيخ علي صباح السالم، وأثناء تسجيل أسمائنا هناك، قال لي الموظف المناوب بعد معرفة اسمي ومنصبي إنني مطلوب من قبل الحكومة الكويتية التي كانت تقوم بعملها من الطائف.
التواصل مع الطائف
وفعلا اتصلت بالحكومة هناك، وأجابني وزير التخطيط آنذاك سلمان المطوع بأنني ضمن فريق العمل الذي اختارته الحكومة لوضع خطط العمل لما بعد التحرير، وتحدثت مع وزير الكهرباء في ذلك الوقت د.حمود الرقبة الذي كان في الطائف أيضا وطلب مني السفر مباشرة الى لندن فأبلغته بأن أسرتي في الدمام ولا نملك شيئا فقال إن مكتب شؤون الكويتيين لن يقصر معهم وسيجد لهم سكنا، وطلب مني أن أقصد الخطوط الجوية البريطانية هناك حيث تم حجز تذكرة باسمي الى لندن.
عودة الأمل
وغادرت السعودية الى لندن عن طريق البحرين، وكان د. حمود الرقبة بانتظاري في لندن ضمن فريق الطوارئ الذي انشأته الحكومة، حيث اخبرني بأن مهمتي أن أعد خطة لإعادة تشغيل الكهرباء والمياه بعد التحرير، وعندما سمعت بكلمة «تحرير» من مسؤول في الحكومة استبشرت خيرا بعد ان فقدت الامل بالعودة الى الكويت لهول ما رأيته خلال وجودي فيها أثناء الغزو.
أول عقد
ومن لندن مباشرة الى ألمانيا، حيث كانت الشبكة الكهربائية في البلاد بمعظمها تنفيذ ألماني، والشركة هناك تملك الكثير من المخططات والمواصفات الخاصة بها، وقدمت لهم مجموعة من المتطلبات لعملية الطوارئ للشبكة من أجهزة ومعدات وأدوات صيانة، وخلال أسبوع تم تجهيز العرض ودراسته والتوقيع عليه ليكون أول عقد توقعه الدولة فيما خص عملية طوارئ الكهرباء والماء لمرحلة ما بعد التحرير.
وفي ألمانيا أيضا، تم التعاقد ايضا مع إحدى الشركات النمساوية المتخصصة في تحلية المياه لشراء 20 وحدة متنقلة لتحلية المياه الصليبية لاستقدامها الى البلاد ضمن خطة الطوارئ.
واشنطن مهد الخطة
بعد الانتهاء من هذه المهمة عدت الى لندن وكان ذلك في بدايات شهر سبتمبر، وهممت بالعودة الى الدمام ولكن الوزير انذاك طمأنني على وضع أسرتي وطلب مني المغادرة الى الولايات المتحدة الامريكية وتحديدا واشنطن، حيث يوجد فريق متكامل من الكويتيين من مختلف القطاعات الحيوية في الدولة التي تحتاج الى خطط طوارئ لاعادة تشغيلها كالصحة والحرس الوطني والأشغال والموانئ وغيرها، مؤلف من 25 عضوا، ضمنهم فريق مؤلف من 3 أشخاص برئاسة وكيل وزارة الكهرباء والماء انذاك م.عبدالله المنيس، معنيون بخطة تشغيل الكهرباء والماء وهم بالاضافة إلي: رئيس مهندسي المحطات م.خالد العيسى، ورئيس مهندسي مراكز التحكم م.نجيب السعد اللذان اضطرا لترك الفريق في بداية المهمة، وبقيت لاتمام مهام الخطة.
وتم تخصيص مكاتب لنا في أحد مباني البنك الدولي، حيث كنا نداوم منذ طلوع الفجر وحتى آخر الليل، وأحيانا نوصل الليل بالنهار لإعداد هذه الخطط ونرسل تقارير بأعمالنا اليومية عبر الفاكس إلى حكومتنا في الطائف.
مهمة شاقة.. و12 عقداً
وخلال فترة وجودي في واشنطن، وقعنا 12 عقدا رئيسيا تختص بالشبكة الكهربائية والمائية في البلاد، آخذين بعين الاعتبار أننا سنبدأ من الصفر في اعادة تشغيل الشبكات، لأننا كنا على يقين بأن صدام لن يترك شيئا على حاله بل سيدمر كل شيء، لذلك كانت الخطة وفق هذه التوقعات التي صحت حيث تم تدمير معظم محطات القوى وأجزاء كبيرة من الشبكة.
كانت المهمة شاقة وصعبة جدا علينا، إذ كان يجب ان ننتهي من جميع العقود قبل شهر ديسمبر، وتمكنا فعلا خلال هذه الشهور الثلاث منذ بداية سبتمبر وحتى نهاية ديسمبر، أن نضع خطة متكاملة للشبكة المائية وأخرى للشبكة الكهربائية تشتمل على توريد معدات وإصلاح وصيانة للخطوط الكهربائية، ومعدات لجميع المفاتيح الكهربائية والمحولات ومحطات القوى بالاضافة الى شراء 370 مولدا كهربائيا تعمل بالديزل من احدى الشركات الامريكية.
أما الشبكة المائية فقد قمنا باستئجار 10 بواخر عملاقة تم تحويلها لتشكل قافلة لنقل المياه النظيفة من دول الخليج الى الكويت، كما تم شراء كل الحاويات والغالونات والمعدات البحرية اللازمة لنقل المياه من هذه البواخر الى الشاطئ، بالاضافة الى توقيع عقد مع إحدى الشركات التركية لتوريد أسطول كامل من ناقلات المياه (التناكر) بحدود 750 تنكرا بكامل تجهيزاتها.
الانتظار في المملكة
هذه المعدات جميعا بما فيها تلك التي تم التعاقد عليها في ألمانيا، تم شحنها الى دول الخليج وأكثرها الى السعودية وتم تجهيز مواقع خاصة لها في دول التعاون، كما أن أسطول التناكر كان مرابطا في الاراضي السعودية قبل التحرير بفترة ربما تتجاوز الاسبوعين، عدا عن الفرق الفنية التي تم التعاقد معها وكانت جاهزة أيضا قبل التحرير بمدة وأغلبها من دول التعاون ومن البحرين تحديدا أما فرق العمالة فكانت من الآسيويين كالفلبين وغيرها.
مختبر كيماوي.. طائر
بالاضافة الى كل ذلك تعاقدنا مع شركة مختبرات كيماوية أمريكية من ولاية فرجينيا، بهدف فحص المياه في خزانات المخزون الاستراتيجي بعد التحرير والتأكد من عدم حقنها بمواد كيميائية مضرة من قبل العدو والتأكد من سلامتها وصلاحيتها للشرب، وبالتالي تم تجهيز طائرة عملاقة بمختبر كيماوي متكامل لفحص المواد السامة، كانت هذه الطائرة المختبر، أول طائرة تحط في مطار الكويت في اليوم الثاني للتحرير بحراسة جيوش التحالف وعلى رأسهم الولايات المتحدة، وعلى متنها فريق متكامل من الفنيين والخبراء المتخصصين في المواد السامة.
وبالفعل منذ أن وطأة هذه الطائرة أرض المطار حتى بدأ العمل، بقيام طائرات الهيليكوبتر بجمع عينات من خزانات المياه الأرضية في الزور وفي ميناء عبدالله والمطلاع وغرب الفنطاس، وإحضارها الى الطائرة المختبر لإجراء عمليات الفحص عليها وبأنها ما زالت صالحة للشرب قبل ضخها في الشبكات.
وكان من الخطة المائية أن نطلب من المواطنين عبر وسائل الاعلام المتوافرة عدم استخدام المياه في الشبكات في الاسبوع الأول للتحرير لحين التأكد من سلامتها، ولتعويض ذلك تعاقدنا مع شركة تركية لاستيراد ما يقارب 200 قاطرة برية تحمل 18 طنا من المياه المعبئة (قوارير مياه) لاستخدامها للشرب خلال فترة حظر استخدام الشبكة والخزانات.
اليوم الثاني للتحرير
وفي اليوم الثاني للتحرير 27 فبراير عام 1991 دخلت الى الكويت كقائد لعمليات الطوارئ ضمن فرقة من الجيش الأمريكي ونزلنا وقتها في فندق الهيلتون في بنيد القار حيث وجده الأميركون صالحا للسكن، ثم انطلقنا للمواقع للاطلاع على حجم الاضرار وكان الاهم بالنسبة لنا الشبكة المائية، والتقيت ببعض المسؤولين الذين لم يغادروا الكويت وكان عملهم يقتضي المحافظة على الشبكات المائية ومن ضمنهم المهندس خالد الفرهود حيث قاموا وقتذاك بواجبهم على أكمل وجه، واستضافني الفرهود تلك الليلة في منزله في منطقة النزهة، بعد ان اطلعنا على مركز تحكم المياه في الشويخ.
أسمى صور التعاون
لقد سطرت تلك الفترة اسمى صور التعاون بين كل من عمل على اعادة تشغيل الخدمات في الدولة، وبحكم تواجدي لإدارة خطة المياه وجدت تعاونا منقطع النظير بين الجميع للاطمئنان على الشبكة المائية بعد ان وجدنا ان المياه في الخزانات سليمة فعلا الا اننا لم نستطع ان نشغل الشبكة المائية بغياب الشبكة الكهربائية التي لم نتمكن من تشغيلها الا بعد مرور 21 يوما على التحرير بسبب الدمار الكبير الذي لحق الشبكة والمحطات دمرت محطتي الشويخ والشعيبة بالكامل، بينما محطات الدوحة الشرقية والغربية والزور الجنوبية دمرت جزئيا، اما محطات التحويل والخطوط الهوائية فقد دمر جزء كبير منها بسبب الأعمال الحربية أثناء عملية التحرير.
تنفيذ الخطة الكهربائية
وطبعا لم نغفل ذلك في الخطة الكهربائية اذ تعاقدنا مع 3 فرق فنية متخصصة بتوصيل الخطوط الهوائية وقد عملت جميع الفرق التي استقدمناها بشكل جاد، وتمكنت من اعادة تشغيل شبكة الكهرباء في فترة 21 يوما من تحرير البلاد تم خلالها الاستعانة بمولدات الديزل التي استقدمناها من أميركا وبلجيكا وعددها 370 مولدا تم تشغيلها تدريجيا وخصوصا في المناطق الاستراتيجية والحيوية والخدمات الخاصة والمستشفيات والمناطق الحدودية والمنافذ وأول منطقة تم توفير الكهرباء لها عبر مولدات الديزل هي أجزاء من منطقة الشامية، حيث ديوان الشايع مقر عمل الحكومة في ذلك الوقت.
وخلال تلك الفترة كنا نعمل على اعادة تشغيل المحطات واستطعنا خلال 10 أيام إعادة تشغيل الوحدة رقم 3 للتوربينة الرئيسية في محطة الدوحة الغربية لتكون أول وحدة أعيد تشغيلها بعد التحرير مع وحدة أخرى من وحدات التوربينات الغازية في الدوحة الشرقية، أما أول مضخة مياه دخلت الخدمة فكانت محطة ضخ مياه الزور وذلك بعد تشغيل الشبكة الكهربائية.
وأذكر ان بدء اعادة التيار في البلاد عبر الشبكة الكهربائية تزامن مع دخول شهر رمضان المبارك، وأول منطقة تم تغذيتها عبر شبكة المحطات كانت الصليبخات وأجزاء من منطقة الضاحية وجزء من مدينة الكويت وأجزاء من كيفان والشامية وذلك بعد 21 يوما من التحرير، ثم تم تشغيل جميع الخطوط تدريجيا لإضاءة الكويت بالكامل والتي ما زالت تعمل حتى اليوم بشكل مستمر.
والخطة المائية
أما عن مسار الخطة المائية فبعد التأكد من سلامة الخزانات لم نستخدم الناقلات المائية العملاقة وأرجعناها إلى أصحابها، وقمنا بنقل مياه الخزانات الى المواطنين عبر التناكر التركية التي بدأت تدخل الكويت محملة بالمياه من السعودية في اليوم الثاني للتحرير وعددها 750 تنكرا وقد تم تمديد العقد مع الشركة لمدة 3 أشهر أخرى بالرغم من تشغيل الشبكة، حيث ارتأى وزير الكهرباء أنذاك أحمد العدساني أن هذه التناكر تساهم كثيرا في ايصال المياه للمواطنين.
وفيما يتعلق بمحطات التقطير المتنقلة للمياه الصليبية التي استقدمناها من النمسا فما زالت موجودة حتى يومنا الحالي وهي مدرجة ضمن خطة الطوارئ الخاصة بالوزارة ومتوافرة كبديل في حال حصول أي طارئ لا سمح الله، ويوجد بعضها حاليا في المناطق الحيوية كمنطقة الصباح الصحية.
وهكذا عادت الكهرباء والماء الى البلاد بعد ان نجحت الخطة نجاحا كبيرا بتضافر الجهود الصادقة لجميع ابناء هذا الوطن.
سمو الأمير الوالد
من ضمن الجهود اللافتة التي بذلها سمو الامير الوالد الشيخ سعد العبدالله رحمه الله، وكان وليا للعهد ورئيسا للوزراء أنذاك، متابعته لأدق التفاصيل في شؤون تطبيق خطة الطوارئ، حيث يذكر العنزي أن المغفور له حين حضر الى الكويت في الاسبوع الأول للتحرير، وكان يجتمع بالحكومة التي تقوم بأعمالها في ديوان الشايع في منطقة الشامية، طلب منه كمشرف على تنفيذ خطة الطوارئ أن يحضر يوميا للديوان عند انتهاء اليوم ليشرح له بالتفصيل ما تم القيام به لتشغيل الشبكة الكهربائية والمائية، وكانت أول منطقة تمت إعادة التيار لها هي منطقة ديوان الشايع مقر الحكومة، وبعض المنازل المحيطة، حيث تم تشغيل احدى محطات التحويل الفرعية التي تغذي المكان على مولدات الديزل.
متابعة خطة المياه من صاحب السمو
ذكر العنزي خلال روايته للقصة أن الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد، رحمه الله، كان قلقا جدا فيما يتعلق بخطة المياه وإعادة تشغيلها وخصوصا أنه لا يمكن العيش من دون هذه السلعة الحيوية، فحضر العنزي بناء على اتصال من وزير الكهرباء د.حمود الرقبة من واشنطن الى الطائف وشرح لسموه بالتفصيل ما تتضمنه الخطة وكيف ستعمل سواء البواخر العملاقة أو التناكر او الوحدات المتنقلة لاستخراج المياه الصليبي عبر حفر آبار في البر وتحلية مياهها، إلى أن اطمأن سموه فعلا لهذه الخطة.
بسالة وفداء الحرس الوطني
من قصص البسالة التي شاهدها د.حمود العنزي من أبطال الجيش والحرس الوطني، يروي أروع قصص البسالة والفداء التي سطرها الحرس الوطني، ويقول:«عندما بدأ تبادل اطلاق النار بين الجيشين العراقي والكويتي في منطقة الرقعي مقابل وزارة الكهرباء والماء كان الجنود العراقيون يحتمون خلف مبنى الوزارة وكان أكثرهم من المشاة ومعهم آليات عسكرية خفيفة، وكان عددهم كبيرا جدا، وكانت غرفة عمليات الوزارة في سرداب المبنى مقابل مدخل الوزير، حيث سمعنا طرقا شديدا على الباب ظننا في البداية أن القوات العراقية بدأت تدخل علينا، ولكننا استطعنا أن نميز من خلال الزجاج أنهم يرتدون لباس الحرس الوطني وعندما فتحنا الباب كان الطارقون فعلا مجموعة من ضباط وعناصر الحرس الوطني تتألف من ضابطين و4 أفراد مع أسلحتهم، وقال قائد المجموعة وكان من عائلة المطيري بأن لديهم مهمة خاصة عليهم تنفيذها وطلب منا أن ندله ما إذا كانت للوزارة أبواب خلفية، حيث كان يحتمي الجيش العراقي وراء المبنى، صعقت من هذا الطلب خصوصا ان اعداد الجيش العراقي مهولة عدا عن آلياتهم وهم 6 افراد فقط فاستحلفتهم أن يغيروا هذه الخطة لأنهم لن يقدروا على فعل شيء، الا انه قال وبلهجة صارمة بأن عليهم تنفيذ المهمة وان هناك مجموعات أخرى في المباني المجاورة تنتظر الاشارة منهم وبأنني أعطلهم عن آداء عملهم، وحينها فتحنا لهم فعلا باب سرداب السيارات وكان يفتح عن طريق السلاسل وليس كهربائيا وقمت مع المرحوم يوسف الخباز بفتح الباب، حيث انبطح أفرد المجموعة أمام الباب، وطلب منا الوقوف وراء عمود الخرسانة وإغلاق الباب مباشرة فور خروج العناصر زحفا، وفعلا بمجرد ان رفعنا الباب بدأ اطلاق النار على الجنود العراقيين وخرج عناصر الحرس الوطني بقوة وبسالة لمواجهة هذا الكم من الجنود وطبعا كنا على يقين ونحن نعيد اغلاق الباب بأنهم لن يعودوا أحياء، لكن المفارقة تكمن بأنني عندما سردت القصة لرئيس الحرس الوطني سمو الشيخ سالم العلي بعد التحرير، قال لي بأن جميع افراد المجموعة تمكنوا من النجاة وبالفعل قابلتهم جميعا بعد التحرير وأنا أعتبرهم رمزا للبسالة وهم مفخرة للكويت، واتمنى من الحكومة إيجاد هؤلاء العناصر والضباط وتكريمهم بشكل خاص، وكان أحدهم من عائلة المطيري، وآخر من هواجر الفحيحيل من اسرة الزوير مع 4 عناصر آخرين».
توقف مشروع «الصبية» ومصادرة الآليات
كان من المقرر في اليوم الأول للاحتلال أن يلتقي العنزي برفقة وكيل الوزارة أنذاك م.عبدالله المنيس، مع أحد مهندسي الشركة التركية التي فازت بعقد الاعمال المدنية لمحطة الصبية في موقع المحطة للاطلاع على بدء تنفيذ مشروع محطة الصبية لتوليد الكهرباء والماء، ويقول العنزي:«وبعد ما حصل اتصلنا بالمهندس ويدعى علي بزكرت لإبلاغه بأننا في حالة حرب والبلد تحت الغزو، فأخبرنا بأن القوات العراقية قد وصلت إليه وأن الجنود العراقيين يطلبون منه تسليمهم كل الاجهزة والمعدات في الموقع، وفعلا تم مصادرتها من قبلهم مع فريق العمل والمهندس المشرف الذي قطع الاتصال به منذ ذلك الحين وعلمنا فيما بعد بأنهم أسرى في السجون العراقية، حيث أنذر الرئيس التركي أنذاك القيادة العراقية بضرورة تركهم واطلاق سراحهم».
العودة من واشنطن
يذكر العنزي أن الفرق الخاصة بإعداد خطط الطوارئ عادت من واشنطن الى الدمام في تاريخ 27 يناير أي قبل التحرير بشهر كامل، حيث كانت العمليات الحربية قائمة، وكانت بعض الصواريخ تتساقط على السعودية أيضا وتم استخدام صواريخ الباتريوت للرد عليها، وفي تلك الأثناء كانت الفرق الفنية والآليات والتناكر والمعدات التي تقوم عليها الخطة، مرابطة في الأراضي السعودية تحت حراسة جيوش التحالف بانتظار التحرير وإشارة السماح بدخول البلاد.
من هي السكرتيرة؟!
في دلالة واضحة على الحس الوطني والسعي للتعاون بين أبناء الوطن الواحد في الداخل والخارج، يقول العنزي:«حضرت الى مكتبنا في واشنطن فتاة في مقتبل العمر مع والدتها التي قالت بأن ابنتها حضرت الى الولايات المتحدة لمتابعة دراستها ونيل شهادة الدكتوراه، ولكنها تريد يد مد العون والمساعدة فيما نقوم به بأي شكل من الأشكال، وبالفعل قالت الفتاة انها كويتية وتريد مساعدتنا ولكنني استغربت لأنها كانت تتحدث اللهجة اللبنانية وليس الكويتية فأخبرت رئيس الفريق أنذاك د.ابراهيم الشاهين بالأمر وقلت له بأننا فعلا نحتاج إلى سكرتيرة تساعدنا في كتابة التقارير وإرسالها الى مقر الحكومة في الدمام، ووافق على مساعدتها لنا، وكانت تلك الشابة هي د.رولا دشتي التي صارت نائبة ووزيرة فيما بعد».