المجاهدة لغة: بذل ما في الوسع والطاقة، اما في الاصطلاح: فهي أخذ النفس ببذل الطاقة، وتحمل المشقة، في دفع المضرة، وتحصيل المنفعة.
فالسالك طريق إصلاح نفسه يسعى بمجاهدة نفسه لتحقيق هدفه، والوصول بها الى مراتب العلا، وعليه أيضا ان يجاهد كل ما يقطع عليه الطريق بمغالبته، وقد ضربت لك مثلين:
المثل الأول: رجل خرج من بيته الى الصلاة لا يريد غيرها، فعرض له في طريقه شيطان من شياطين الإنس، فألقى عليه كلاما يؤذيه فوقف ورد عليه، وتماسكا، فربما كان شيطان الإنس أقوى منه، فقهره، ومنعه عن الوصول الى المسجد، حتى فاتته الصلاة، وربما كان الرجل أقوى من شيطان الإنس، ولكنه اشتغل بمهاوشته عن الصف الأول، وكمال إدراك الجماعة، فإن التفت اليه أطمعه في نفسه، وربما فترت عزيمته، فإن كان له معرفة وعلم زاد في السعي والجمز (أي: السير والهدو) بقدر التفاتة أو أكثر، فإن أعرض عنه واشتغل لما هو بصدده، وخاف فوت الصلاة أو الوقت: لم يبلغ عدوه منه ما شاء.
المثل الثاني: الظبي أشد سعيا من الكلب، ولكنه اذا أحس به التفت اليه فيضعف سعيه فيدركه الكلب فيأخذه «مدارج السالكين» (1/46).
وهذا مثل ثالث: المتسابقون في رياضة الركض، كل متسابق منهم يبذل أقصى ما يملك من الجهد لكي يفوز بالسباق.
وانك لترى كل واحد منهم قد ثبت بصره على خط النهاية، فلا يلتفت يمنة ولا يسرة حتى يحقق هدفه.
وكل متسابق من هؤلاء وضع في ذهنه لحظة التكريم، فلو التفت احدهم الى هتافات الجمهور، أترى انه يسبق؟ ولو انه نظر في عطفه وملبسه وجمال جسمه أتراه يحقق هدفه؟
والآن أيها الودود هل أدركت خطورة ما يفعله مانعو الخير من شياطين الانس والجن، وأدركت خطورة النفس الأمارة بالسوء والهوء وقرناء الباطل، والبيئة السيئة، فهؤلاء قطاع طريق الخير، وأنت بينهم تسعى وتجاهد عدوك من أجل منعك من التحلي بالاستقامة، والأخلاق الحسنة والأدب.
ولا يمكن لقاعد ان يفوز بتاج الفضيلة ومنح الأخلاق وهو مقصر في حياته منغمس في لهوه ومتدثر في سهوه يرجو الربح في ميدان السباق.
يحاول نيل المجد والسيف مغمد
ويأمل إدراك العلى وهو نائم!
ولا يمكن للمرء ان ينال الاستقامة إلا بالمجاهدة وبذل الوسع، قال سبحانه (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين. (العنكبوت: 69).