بدأها الله عز وجل بمشهد عظيم من مشاهد يوم القيامة والاخبار بأهوالها ثم ينتقل الى الحديث عن (الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام) يستنكر هذا الصد عن المسجد الحرام الذي جعله الله للناس جميعا لا فرق في المعاملة بين المكي وغير المكي، ولكن قريشا خالفوا هذه المنظومة يدخلون من يشاءون وفي الآية الكريمة وجوب احترام الحرم وشدة تعظيمه والتحذير من فعل المعاصي فيه بعد ان ذكر الله سبحانه البيت وعظمته وحرمته ذكر بانيه خليل الرحمن ابراهيم (وطهر بيتي) اي من الشرك والمعاصي ومن الانجاس وامر الله خليله ابراهيم عليه السلام ان يطهر بيته واضافة الرحمة الى نفسه لشرفه وفضله ولتعظيم محبته في القلوب ليكون اعظم لتطهيره وتعظيمه لكونه بيت الرب والتطهير المادي ان نحرص على نظافة البيت، واذا كان اشرف الخلق خليل الله امر بتنظيف الحرم ومع ذلك نرى مآسي في الحج من رمي القاذورات وهذا مخالف للدين، ادناها اماطة الاذى عن الطريق، ويدخل في تطهير الحرم تطهيره من الاصوات المرتفعة التي تشوش على المتعبدين بالطواف والصلاة.
فوائد زيارة بيت الله الحرام
(ليشهدوا منافع لهم) أي لينالوا في بيت الله منافع دينية من العبادات ومنافع دنيوية من التكسب وحصول الربح الدنيوي.
حرمات الله: كل ما حرمه الله تعالى وكل ما امر الله باتباعه لتحريم الجدال والفسق والرفث والصيد، وان من عظّم حرمات الله فهو خير له عند ربه اذ بسبب هذا التعظيم ينال رضا ربه وثوابه.
أمر استحباب
(وأحلت لكم الأنعام) اي احل الله لكم ايها الناس الانعام ان تأكلوها اذا ذكيتموها وان ما يقوم به الانسان من نسك عظيم وهو الذبح لله حيث كانت عادة عند العرب ولكن لا يدعون لله بل لاصنامهم، وذلك امر للاستحباب ان يأكل من الذبيحة ويطعم الفقراء.
الزور ليس له حد
(فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به) الاصنام جميعها رجس نجس فتطهروا من هذه الاوثان وهذه الاوساخ وقول الزور من الكبائر لحديث النبي صلى الله عليه وسلم والزور ليس له حد، كل شهادة كذب هي زور من ادناها الى اكبرها، عندما يأتي الموظف بمرضية كذبا ويشهد الطبيب على ذلك فهي شهادة زور، وكذلك من يعطي شهادة راتب يغش بها البنك او الناس زورا، وقد اطلق الله عز وجل انواع الزور من الشرك الى ادناه الكذب وهذا يفيد الاستغراق ثم مثل تعالى فظاعة حال من يشرك بالله ويأسه من النجاة فكأنه كان في سماء الرفعة فانحط الى الارض تأتيه الطير تنهش في جسده فتسبب في هلاك نفسه لشركه بالله تعالى.
فائدة المثل
من الإشراك بالله من تتخطفه الاراء والشبهات الكثيرة كأنه تقطع في افواه الطيور، والنوع الثاني نوع مكين في الكفر فيسقط الى الهاوية، والنوع الثالث من يشرك بالله ونرجو ان يعود الى رشده مع ان عودته بعيدة.
تعظيم شعائر الله
بعد ان امر الله بتعظيم حرماته امر تعالى بتعظيم شعائره (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)، هذه الآية تنص على الاعمال القلبية فإن التقوى محلها القلب واذا صدق القلب صدقت الجوارح، لما اخبر تعالى من شعائر الحج ان تساق له هذه الانعام حتى تذبح رخص الناس فكان لكم فيها منافع بالركوب والحلب ونحو ذلك مما لا يضرها (إلى أجل مسمى) مقدر مؤقت وهو ذبحها اذا وصلت «محلها» وهو البيت العتيق اي المحرم لله «منى» وغيرها فاذا ذبحت اكلوا منها واهدوا واطعموا البائس الفقير.
راية التوحيد
(ولكل أمة جعلنا منسكا).. الاية، يخبرنا تعالى ان هذا المنسك ليس خاصا بكم فقط ولكل امة من الأمم السالفة جعلنا منسكا لاعلاء كلمة التوحيد فإلهكم إله واحد تجتمع عليه كل الشرائع، على ألوهية الله وترك الشرك به. ولهذا قال: (فله أسلموا) اي انقادوا واستسلموا له لا لغيره فإن السلام طريق الوصول الى دار السلام (وبشر المخبتين) الخاضعين لربهم المتواضعين لعباده بشرهم بخير الدنيا والآخرة. (الذين إذا ذكر الله) ذكر الله لفظ الجلالة لتربية المهابة في القلوب، فالقلب يخشى ويخاف فما بال الجوارح تكون اخشى (والصابرين على ما أصابهم) الصبر ليس له عند الله ميزان ولا حساب، الكل توزن له الاعمال الا الصابرون.
أهل السعادة
والصبر ثلاثة اقسام: الصبر على معصية الله والصبر على طاعة الله والصبر على اقدار الله المؤلمة. ومن صفاتهم ايضا (ومما رزقناهم ينفقون) النفقة الواجبة وهي الزكاة والنفقة التي يثاب عليها وهي الصدقة هؤلاء لهم اكمل البشارات وهم اهل السعادة في الدنيا والاخرة.