العجوزُ الشَّاعرةأنت لعمري
في كوخ صغير يقع أقصى المدينة لاح ضوء مصباح يحاول اختراق الظلام في ضعف.
اقترب عمر بن الخطاب رضي الله عنه من الكوخ، فإذا عجوز تجلس في ثوب أسود تائهة في العتمة التي لم يستطع المصباح هتكها، تردد في شجا:
على محمد صلاة الأبرار
صلى عليك المصطفون الأخيار
قد كنت قواما بكيّ الأسحار
يا ليت شعري والمنايا أطوار
هل تجمعني وحبيبي الدار
أهاجت هذه الكلمات الماضي الهاجع في فؤاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وتذكر الأيام الخوالي، فبكى وسحت دموعه هادرة، وقرع الباب عليها.
فقالت: من هذا؟
قال وهو يغالبه البكاء: عمر بن الخطاب.
قالت: ومالي ولعمر؟ وما يأتي بعمر هذه الساعة؟
قال: افتحي ـ رحمك الله ـ فلا بأس عليك، ففتحت له فدخل فقال: رددي علي الكلمات التي قلت آنفا، فرددت عليه، فلما فرغت منها، قال: أسألك أن تدخليني معكما.
قالت: وعمر فاغفر له يا غفار.
فرضي ورجع.
أنت لعمري.
في بيت صغير بأطراف المدينة، عاشت امرأة عجوز عمياء ليس لها من حطام الدنيا غير شاة ودلو وحصير من الخوص أكل الزمان أطرافها، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتعاهد هذه المرأة من الليل، فيستسقي لها ويصلح حالها، وظل على ذلك فترة.
وذات يوم جاء عمر رضي الله عنه إلى البيت، فوجد كل شيء مرتبا ومعدا، فعلم أن غيره سبقه إليها فأصلح ما أرادت، فجاءها غير مرة وكل مرة يجد أن غيره سبقه الى البيت فنظفه وأصلحه.
فاختبأ عمر رضي الله عنه في ناحية قريبة من البيت ليعرف من هذا الذي يسبقه، ظل قابعا مدة، وفجأة رأى رجلا يقترب من البيت فطرق الباب، ثم دخل.. إنه أبوكر الصديق رضي الله عنه وهو يومئذ خليفة المسلمين.
خرج عمر رضي الله عنه من مكمنه، وقد استبان له الأمر يحدِّث نفسه إعجابا بالصديق رضي الله عنه: أنت لعمري.. أنت لعمري.