سالم الحمر
ديننا دين سمح، سهل وسط، يحرص على ان يتحلى متبعوه بمكارم الأخلاق وسماحة الطباع، ليكونوا مجتمعا قويا متماسكا، متحد الكلمة، كما أراده الله لنا، بقوله سبحانه (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا) ومن هنا نجد أن القرآن الكريم قد حث المؤمن المتخلق بآدابه على مقابلة الإساءة بالإحسان وردّ الذنب بالمغفرة، والغيظ بالكظم، لتنقلب العداوة الى صداقة وولاية (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي احسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) ولئن كان الإنسان بما ركب فيه من غرائز ميالا الى الانتصار ممن يؤذيه او يعتدي عليه، وتدفق غريزة الانتقام الى مقابلة السوء بمثله، وكأن هذا من الحقوق التي أباح الاسلام للمسلم استعمالها بعد ان قيدها بعدم التجاوز، كما نفهم من قوله تعالى في سورة البقرة (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) واذ يقول القرآن الكريم في أوصاف المؤمنين (والذين اذا أصابهم البغي هم ينتصرون) فإنه يردف الوصف بضابط يمنع من التعدي في استعمال الحقوق ثم هو بالتالي ترغيب في العفو والتسامح والاصلاح اذ جعل أجر هذا التجاوز مضمونا عند الله، وعد من يتجاوزه من الظالمين فقال تعالى (وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين).
والإسلام يدفع المسلم الى ان يؤثر ثواب الله على إشباع رغبته في الانتقام من المسيء فيكون الصفح والعفو، رجاء الفوز بما عند الله من حسن الأجر، كما نفهم من قوله تعالى (فأجره على الله) وهذه بشرى ساقها رسولنا الأعظم صلوات الله وسلامه عليه للعافين عن الناس بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث طويل رواه الطبراني: «اذا كان يوم القيامة ينادي مناد ليقم من أجره على الله فليدخل الجنة وهم العافون عن الناس» والمسلم يعلم ان العفو من الصفات التي يرفع الله بها المؤمن الى منزلة عليا وليس علامة ضعف، انه علامة اليقين بأن الله هو المنتقم الجبار وانه جزيل الثواب. وقد أرسى القرآن الكريم مبادئ انسانية سامية حين دعا الى التسامح في معاملة غير المسلمين ممن لم يحاربونا وأمر بالرفق بهم فلم يمنع من مودتهم او البر بهم، بل طالب بالوفاء لعهودهم، والعدل عند مقاضاتهم، فكان ديننا بذلك دينا انسانيا في تسامحه، انسانيا في عطفه عزيزا كريما في تسامحه الذي ترفع به عند الاستسلام والاستجداء. وهذا ما يشير اليه الأمر الإلهي للنبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى «فاصفح الصفح الجميل» هذا هو التسامح في معاملة المسلمين بعضهم بعضا وفي معاملتهم للكتابيين.