نحن بين يدي سورة عظيمة من القرآن العظيم، فيها امتدح الله تعالى عباده المخلصين الصفوة المتصفين بصفة الإيمان، الصفة المنجية، عليها يحاسب المرء وبها يثقل الميزان وهي «لا إله إلا الله». والقرآن مثاني وبضدها تتباين الأشياء. من خصائص القرآن انه ينقلنا لمشاهد القيامة وكأنه واقع نراه رأي العين، فقال تعالى (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون)، هؤلاء الكافرون والمشركون الذين اغتروا بآلهتهم تتقطع بينهم الأنساب ويصيبهم الهول. قال ابن كثير: يوم يحب المرء لو أنه يأخذ من حسنات ابنه او حسنات أبيه.
فريقان
يخبرنا الله تعالى بأن هناك يومئذ فريقين، فريق النجاة وفريق الهلاك، فمن ثقلت موازينهم، هم الناجون، استحقوا الجنة وفازوا بها، ولا أثقل في الميزان من كلمة «لا إله إلا الله».
(ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون). خسارة أبدية، هؤلاء الذين خسروا أنفسهم كل خسارة، في جهنم خالدون لا يخرجون منها (تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون)، مصير هؤلاء الكافرين تغشاهم النار من جميع جوانبهم وقد عبست وجوههم وقلصت شفاههم من شدة ما هم فيه وعظم ما يلقونه، وهذا قليل من كثير.
بطاقة لا إله إلا الله
في هذا اليوم العصيب لا يبقى إلا بطاقة يأتي بها الملك فيسأل نفسه ما جدوى هذه البطاقة امام 99 سجلا والله لا يُظلم عنده احد، فتوضع البطاقة فيها كلمة لا إله إلا الله فتزيح 99 سجلا من السيئات، لمن قالها وهو مؤمن بالله تعالى.
حجة المفلس
(قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين) فحينئذ أقروا بظلمهم، حيث لا ينفع الإقرار وتحججوا بأن شقاءهم بسبب ما كتبه الله عليهم وهذه حجة المفلس، وقد بين الله للإنسان طريق الخير وطريق الشر، ثم اودع فيه ملكات تؤهله في الحكم ليميز بها الحق من الباطل. ولكن في هذا اليوم لم يبق الله لهم حجة بل قطع أعذارهم فقال الله جوابا لسؤالهم (قال اخسؤوا فيها ولا تكلمون) وهذا تبكيت لهم لزيادة العذاب وتوبيخ وذل، وهذا الكلام والغضب من الله الرحيم أشد عليهم وأبلغ في نكايتهم من عذاب الجحيم.
الصبر
ثم ذكر الحال التي أوصلتهم الى العذاب فقال: (إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين) جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح والدعاء لربهم بالمغفرة والرحمة، مما يدل على خضوعهم وخوفهم ورجائهم من الله.
فهؤلاء سادة الناس (فاتخذتموهم سخريا.. الآية) أيها الكفرة فكان العذاب لكم، حيث ان فريقا من عبادي يقولون (ربنا آمنا) أقررنا بربوبيتك ونسألك الثبات، يتوسلون الى الله بالعمل الصالح وبالإيمان يرجون مغفرة الله. وهؤلاء أعرف الخلق بالله، هؤلاء الصفوة الذين شرفهم الله جزاهم من فضله، إنهم صبروا على أذى هؤلاء وعلى طاعة الله وصبروا بكل احوال الصبر ففازوا بكل خير (إنهم هم الفائزون).
يعود الله عليهم بسؤال تقريعي فالعذاب جسدي ونفسي (قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين)، المشرك يظن انه مخلد فيقول لهم على وجه اللوم، حيث قضوا هذه المدة اليسيرة في فعل الشر الذي أوصلهم للعذاب، ولم يكتسبوا ما اكتسبه المؤمنون من الخير الذي أوصلهم الى الجنة (فاسأل العادين) هم يستقصرون جدا مدة مكوثهم في الدنيا فقالوا فاسأل الضابطين في عددهم.
المآل إلى الله
(فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم)، ينزه الله نفسه ملك الملك وملك الأكوان وهو الحق البين تعاظم مالك الكون كله، له الكمال ورب العرش العظيم لم يخلقكم عبثا. فلا برهان ولا حجة ولا سلطان لكل من يدعي لله شريكا، يبكتهم الله لقلة علمهم فالله واحد أحد وهؤلاء الذين يدعون مع الله شريكا فإن حسابهم عند ربهم فهو القادر على تربيتهم والقادر على عقابهم.
لا سلطان ولا حجة
(ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به... الآية)
فمن دعا مع الله إلهاً غيره بلا بينة من امره ولا برهان على ذلك فسيجازيه الله بأعماله ولا ينال من الفلاح شيئا لأنه كافر.
الرحمة
ثم يختم الله سورة المؤمنون بقوله (وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين)
هؤلاء متوجهون بكليتهم الى الله خاشعون لله يسألونه المغفرة، ارحم رحمة عامة في الدنيا والآخرة، عرفوا الله بصفاته وأسمائه العليا والحسنى ندعو الله بها، فكل راحم للعبد فالله خير له منه، أرحم بعبده من الوالدة بولدها وأرحم به من نفسه.
صاحب البطاقة
حديث عبدالله بن عمرو «يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر، ثم يقال: أتنكر من هذا شيئا؟ فيقول: لا يا رب، فيقال: ألك عذر أو حسنة؟ فيهاب الرجل ويقول: لا، فيقال: بلى ان لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له البطاقة وهي الورقة الصغيرة فيها: أشهد ان لا إله إلا الله وأشهد ان محمدا عبده ورسوله، فيقول يا رب وما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: انك لا تظلم فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة»، فكلمة لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة من النار.
منكرو السنة النبوية
اليوم عندما تلون اشكال الكفر نجد من يقول لا إله ويلحدون، ومن انواع الكفر يقولون نؤمن بهذا من كتاب الله ولا نؤمن بهذا، يتركون الصلاة لأن الإيمان عندهم عمل قلبي.
ومن يحارب سنة النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون علينا الاكتفاء بالقرآن الكريم فقط، فهو كتاب الله وهو المصدر الأول للإسلام، إلى آخر ما يقولونه، ويرون انه لا حاجة للسنة ويشككون في حجية السنة المطهرة، يقول الله تعالى (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) النساء: 64.
وقوله (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب) الحشر: 7. (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون) النور: 65، (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم) إبراهيم: 4. إن هؤلاء منكري السنة يتجاهلون أعمال النبي صلى الله عليه وسلم العظيمة التي غيرت وجه العالم، فالأدلة القرآنية القاطعة ان السنة هي المصدر الثاني للإسلام قال صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه». ومن أخطر البدع التي حذرنا منها الرسول صلى الله عليه وسلم بدعة إنكار السنة وادعاء ان القرآن يغني عنها.