- مؤشرات على تذمر اليمين الإسرائيلي من نتنياهو
- رئيس الوزراء الإسرائيلي يخشى سهام الشرطة والإعلام
- مستشار نتنياهو لـ20 سنة ينقلب عليه: زوجته وابنه يشاركانه إدارة الدولة.. واضطررت للاستقالة بسبب ذلك
على الرغم من محاولات رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، التظاهر بالقوة وعدم التأثر بالتطورات الدرامية في التحقيقات معه بشبهات الفساد وتراكم مزيد من الملفات ضده وتمكن الشرطة من تجنيد «شاهد ملك» في أحد ملفات التحقيق الأربعة معه، فإن مقربين منه أفشوا بأنه بات في الأيام الأخيرة شديد التوتر والعصبية، فيما رفاقه في الائتلاف الحكومي يضعون عليه شروطا سياسية لمواصلة دعمه، أما الإعلام الإسرائيلي فيواصل نشر تحقيقات تكشف مزيدا من الشبهات ضده، في حين تقف المعارضة صفا واحدا في مطالبته بالاستقالة من رئاسة الحكومة، بحسب ما اوردت صحيفة «الشرق الأوسط» اللندنية.
كما أن مسؤولين كبارا في حركة الاستيطان التي يقودها حزب المستوطنين «البيت اليهودي»، لم يخفوا رغبتهم في انتهاز الفرصة للربط بين الكلام الناعم عن عدم حل الحكومة وبين مطالبهم السياسية، فقد قال أحد كبار القادة الآيديولوجيين في الحزب وهو موشيه زار، إن على نتنياهو أن يعطي اليمين المخلص له ما يستحقه من مطالب تتعلق بتعزيز الوجود اليهودي في (يهودا والسامرة) أي الضفة الغربية المحتلة، فإذا كان يريد حقا البقاء رئيسا للحكومة، فعليه أن يعلن فورا عن توسيع الكتل الاستيطانية وضمها جميعها إلى إسرائيل وفرض السيادة عليها، ومن ثم يبادر إلى حل الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) ويتجه نحو انتخابات جديدة.
وأشار إلى أن الاستطلاعات توضح أن الجمهور الإسرائيلي يريد حكم اليمين و«سيعيد انتخابنا وانتخابه بنسبة أعلى بكثير مما له اليوم»، وأعلن قادة حزب اليهود الغربيون المتدينين (يهدوت هتوراة) أنهم سيطلبون من نتنياهو سن مشروع القانون الذي يعفي الشبان المتدينين من الخدمة العسكرية مقابل ضمان استمرار دعمهم له في رئاسة الحكومة، ومع أن قادة حزب ليكود يرون في هذه المقترحات من المستوطنين والمتدينين محاولة ابتزاز أو مساومة، فإنهم لا يستبعدون أن يتجاوب نتنياهو معها.
وبدأت تلوح في صفوف اليمين الإسرائيلي إشارات تصدع تهدد «الوحدة الصماء» التي سادت حتى وقت قريب حول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وبدأ التذمر شبه العلني يظهر من كثرة ملفات الفساد التي تفتحها الشرطة ضده، والتسريبات التي تنشر وتدل على أن تورطه بات أكبر بكثير مما عرف حتى الآن، خصوصا بعد تحول نير حيفتس، مستشار نتنياهو الإعلامي والاستراتيجي طيلة ٢٠ سنة، إلى شاهد ملك.
وفي آخر تسريبات من التحقيق نقل على لسان حيفتس أنه كشف أمام المحققين أن نتنياهو كان يصل إلى بيته، وهناك يغير رأيه بتأثير سارة زوجته وابنه يائير، الذي يؤثر على القرارات لدرجة تصل عدم المسؤولية الوطنية، بحسب تعبير حيفتس، وأضاف ان نتنياهو أظهر بتأثير ابنه يائير عدم مسؤولية وطنية، واتخذ قرارات مست بالمصالح القومية لإسرائيل وأمنها، إنهما يشاركان نتنياهو في إدارة شؤون الدولة. وقال حيفتس إنه اضطر إلى الاستقالة من مكتب نتنياهو بسبب الأضرار التي جلبها ابن نتنياهو وزوجته، وتابع موضحا «لم أعد أحتمل تأثير زوجته وابنه عليه. وقد أدركت أن عصر نتنياهو قد انتهى، وأنه ستكون هناك لائحة اتهام ضده، سواء بشهادتي أو من دونها».
ومع كل تطور تحققه الشرطة في الملفات، بدأت تزداد قناعة راسخة حتى داخل اليمين بأن عهد نتنياهو يجب أن ينتهي بأقل ما يمكن من الخسائر الشعبية لهذا المعسكر. ولذلك فهم يعترضون على تبكير موعد الانتخابات فقط لخدمة حماية كرسيه، ويسعون إلى إجهاض الفكرة ودفنها. وفي هذا السياق استغل وزيرا حزب المستوطنين «البيت اليهودي» هما وزير التعليم نفتالي بنيت، ووزيرة القضاء أييلت شكيد، غياب نتنياهو في واشنطن مؤخرا لإجراء محادثات مع حلفائهما داخل الأحزاب الدينية وحزب وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان (يسرائيل بيتينو)، بهدف إيجاد حل وسط يوقف الخلاف بينهما، ويمنع انفجار أزمة ائتلافية حتى لا يستغلها نتنياهو لتفكيك الائتلاف والتوجه لانتخابات مبكرة. ولمح بنيت إلى أنه لا يستبعد إمكانية الإطاحة بنتنياهو، وانتخاب رئيس حكومة آخر من حزب الليكود نفسه.
الآن، يشعر نتنياهو بأن ما يقدر على كسر ظهره يأتي من جهتين: الشرطة والإعلام، فالصحافة الإسرائيلية تحاربه بشراسة، كما كانت تحارب كل رؤساء الحكومات وأكثر قليلا. وهي التي كشفت فضائح الفساد، التي دفعت الشرطة إلى التحقيق فيها. والتحقيق المهني في الشرطة جار على قدم وساق وهناك قناعة لدى ضباط التحقيق بأن هناك أساسا متينا لتقديم لائحة اتهام ضده. كما أن الصحافة بشكل عام لم تستسلم. وتواصل انتقاد نتنياهو على سياسته في كل المجالات، بدءا بانعدام الأمن في زمنه إلى العزلة الدولية وعرقلة مسيرة المفاوضات وحتى الوضع الاقتصادي والفساد. بيد أن القوة السياسية الأساس التي عليها واجب إدارة هذه الحرب، تبدو ساكنة تغط في نوم عميق. فمع أن هناك ٥٣ نائبا في المعارضة، فإن صوتهم لا يسمع. نتنياهو يعمل تقريبا بلا معارضة. وإسرائيل لا تشهد منذ إقامتها معارضة كسولة هزيلة عاجزة كما هي المعارضة اليوم.
وراهنا، تبني المعارضة حساباتها على أن يضطر نتنياهو للتزحزح عن موقفه بدعم من الرئيس الأميركي. فاليمين الإسرائيلي احتفل بانتخاب ترامب. وهو يأمل أن يتوقف الضغط الأميركي في موضوعي الاستيطان والمفاوضات. بينما المعارضة الإسرائيلية تأمل أن يبادر ترامب لدفع عملية سلام تجبر نتنياهو على التحرك والتجاوب. أما المقربون من نتنياهو فيرون أن هذا هو الوقت المناسب لأن يعمل على تفجير أزمة ائتلافية وتقديم موعد الانتخابات كي يكسب مزيدا من الوقت في كرسي الرئاسة من دون أن يدفع أي ثمن.
وفي الوقت الذي يبني فيه نتنياهو خططه على التعاطي الإيجابي مع المقترحات الأميركية، المتوقعة لتسوية الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، والسير على مبدأ جعل الفلسطينيين هم الذين يرفضونها، طالب تنظيم يهودي يميني متطرف برفض الخطط الأميركية، باعتبار أن أي تعامل إيجابي معها سيؤدي إلى التفريط في مساحات أخرى من أرض إسرائيل.
وفي ظل هذه التطورات الداخلية، يسود الحذر من أن يستغل نتنياهو عدم الاستقرار في المنطقة، ويحاول إنقاذ نفسه عبر إشعال حرب، حيث كتب المحلل الإسرائيلي تسفي برئيل تحت عنوان «هل يقودنا نتنياهو إلى الحرب؟»، قائلا: «لقد اعتاد الإسرائيليون تقبل وجود تهديد لأمنهم وربما لوجودهم، وإذا لم يكن مصدر هذا التهديد هو عشرات آلاف الصواريخ لدى حزب الله، فسيكون الصواريخ التي يتم إطلاقها من غزة، وإذا لم تكن الصواريخ هي مصدر التهديد، فهناك دائما إيران التي طورت صواريخ باليستية، ويتربص برنامجها النووي وراء الزاوية».
يبقى أحد العوامل الكبرى التي تميل لصالح نتنياهو متمثلا في شعار «الأمن أولا وقبل أي شيء» الذي يسود أرجاء إسرائيل. قبل أسابيع أسقطت إسرائيل طائرة دون طيار إيرانية اخترقت مجالها الجوي، ما أدى لشن إسرائيلغارة قصف جوي ضد مواقع سورية وإيرانية داخل سورية، تعرضت خلالها طائرة «اف ١٦» للإسقاط، وذلك للمرة الأولى منذ عام ١٩٨٦. وأعقبت إسرائيل ذلك بشن هجمات مكثفة ضد مزيد من المواقع السورية والإيرانية التي يعتقد الجيش أنه بتدميره إياها قضى على نصف الدفاعات الجوية السورية. ووصفت بعض الصحف الإسرائيلية هذا الحادث بأنه المعركة الأولى في حرب إسرائيلية - إيرانية محتومة. أما التساؤل الذي يشغل بال كثير من الإسرائيليين: متى سوف تشتعل هذه الحرب؟
وربما يخدم هذا الوضع نتنياهو، وذلك لرغبة الإسرائيليين في التعرف على من يملك القدرة الأكبر على حمايتهم. ويولي الإسرائيليون نتنياهو ثقتهم، ويشعرون بأنه قادر على القتال إذا تطلب الأمر، دون تهور مفرط، ويرون أنه أثبت، أكثر من أي سياسي إسرائيلي آخر، أنه صوت العقل في أوقات الأزمات. ومهما بدت مزاعم الفساد قميئة وكريهة، فإن القائد يبقى أهم ما يسعى وراءه الإسرائيليون، أكثر من أي شيء آخر.
وبطرحه موضوع إيران يريد نتنياهو، أن يبعث برسالة خاصة إلى الإسرائيليين وطمأنتهم إلى أنه الرجل القادر والحريص على ضمان أمنهم. ولعل استطلاعات الرأي الأخيرة التي منحت حزبه أكثرية في التمثيل البرلماني، في حال أجريت الانتخابات الآن، تمنحه المزيد من الذرائع للتمسك بموقفه بعدم تقديم استقالته وبأن الزوبعة ستخمد من دون أن تمس مكانته السياسية، وتقديم لائحة اتهام ضده. وهذا ما دفعه إلى القول، بعد طمأنة الإسرائيليين بحرصه على تجنيد دولي ضد إيران «سأواصل العمل في خدمتكم وفي خدمة دولتنا في شكل يتحلى بالمسؤولية والحزم ومن منطلق شعوري الكبير بالثقة بنفسي لأنني متأكد من أن الحقيقة ستنتصر في نهاية المطاف».
غالبية الجمهور الإسرائيلي غاضبة من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. وهي لا تصدق رواياته في التحقيقات الجارية ضده في شبهات الرشوة والفساد. بل حسب استطلاع أجراه معهد أبحاث جامعة تل أبيب في شهر فبراير الماضي، قال ٥٢% من الجمهور إنه سيكون على نتنياهو أن يستقيل من الحكومة إذا وجهت له لائحة اتهام، مع أن القانون لا يلزم باستقالة أو إقالة رئيس الحكومة قبل أن يدان في المحكمة.
ومن دون الدخول في تفاصيل مروحة السيناريوات حول المسارات المقبلة، والخيارات الماثلة أمام نتنياهو، والمفاعيل السياسية والأمنية لما يفترض أنه مرحلة انتقالية، التي سبق أن عولجت بعد تقديم الشرطة توصيتها، يمكن تأكيد عدد من الخطوط العامة التي كانت وستبقى تحكم الواقع الإسرائيلي إلى مدى زمني مفتوح نسبيا.
فمع نتنياهو أو من دونه سيبقى معسكر اليمين الإسرائيلي هو المهيمن على الساحة، بل إن بقاء رئيس الوزراء في منصبه طوال تسع سنوات متواصلة، هو نتيجة لامتداد هذا المعسكر في الشارع والمؤسسات. وأي تغييرات مفترضة يمكن أن يتركها توالي الفضائح بحق نتنياهو، حتى لو اتهم بها رسميا، ستبقى تداعياتها محصورة داخل المعسكر نفسه، ولن تؤثر في هيمنة معسكر اليمين على مؤسسة القرار. ويعود ذلك إلى أنها تستند إلى عوامل عدة، من ضمنها وبشكل أساسي، العامل الديموغرافي.
وهو ما يتضح من خلال إدراك حقيقة تزايد أعداد الحريديم والروس والمستوطنين الذين يصوتون تلقائيا لأحزاب معسكر اليمين، الذي انعكس في سيطرة أغلبية على الكنيست، وبالتالي على الحكومة، حيث مطبخ القرار السياسي والأمني.
وترجح المعطيات المتصلة بالمشهدين الحزبي والسياسي الداخلي، المدعومة باستطلاعات الرأي، أن يحافظ حزب الليكود على مكانة الصدارة لمعسكر اليمين، وبالتالي فإن خليفة نتنياهو في رئاسة الحزب هو المرجح لتولي رئاسة الوزراء. ومن الطبيعي أن يركز خليفته في المنصبين، جهوده بالدرجة الأولى للمحافظة على مكانته الشعبية. بل تؤكد آخر استطلاعات الرأي أيضا، أنه مع نتنياهو أو من دونه سيحافظ الليكود على مكانته، إلا في حال حصول تطورات دراماتيكية غير متوقعة، لا يوجد أي مؤشرات عليها حتى الآن.
فهل ينجو نتنياهو هذه المرة أيضا من التهم الخطيرة الموجهة ضده بالفساد ويواصل التربع على كرسي رئاسة الوزراء حتى نهاية هذه الدورة، وينافس ـ كما يقول ـ على دورة رئاسية أخرى؟ هل ينصاع لابتزاز اليمين المتطرف ويقدم تنازلات أم يرضخ لخطط ورغبات الرئيس الاميركي ترامب، أم يهرب الى حلبة الانتخابات أم يقفز الى ساحة الحرب؟!