- إيران تقف في زاوية الخيارات الصعبة بين القبول باتفاق جديد حول «النووي» والدور الإقليمي أو تجرع كأس العقوبات المرة وتقطيع الوقت حتى رحيل ترامب
- «مضيق هرمز» نقطة حساسة في خارطة التصعيد ومواجهات ١٩٨٨ ماثلة
- تباينات حول السياسات الإقليمية لطهران و«الاتفاق النووي» لم تحلها قمة هلسنكي
- الدولتان ترقصان على حافة الهاوية لكن من المستبعد أن يصل التصعيد الى الحرب.. ترامب لا يريد تغيير النظام بل سلوكه وطهران تدرك التفوق العسكري الأميركي
عندما التقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب نظيره الروسي فلاديمير بوتين في هلسنكي، لم يبد اهتماما كبيرا بالتوسع في ملفات ساخنة مثل سورية وأوكرانيا، فيما غاب ملف التسوية الفلسطينية ـ الإسرائيلية نهائيا، توسع ترامب في الحديث عن الصين بصفتها التحدي المشترك أمام روسيا والولايات المتحدة، وتناول ملف العلاقة مع الاتحاد الاوروبي من زاوية التنافس التجاري.
ولكنه ركز على أمرين: مواصلة التنسيق العسكري والأمني لضمان أمن إسرائيل، وخطر السياسات الإقليمية الإيرانية والتهديد الذي تشكله قدرات إيران النووية والصاروخية، وظهر أن مواقف الطرفين التي سجلت توافقا على منع وقوع مواجهة بين إسرائيل وإيران، حافظت على تباعد واسع في الملف النووي الإيراني.
ومقابل تأكيد بوتين وجهة نظر بلاده بخطأ انسحاب واشنطن من الصفقة النووية مع طهران التي وضعت إيران تحت أفضل رقابة دولية لأنشطتها النووية باعتراف المنظمات الدولية، ربط ترامب الملف النووي مع سياسات إيران الإقليمية، وأشار إلى حملة نشر العنف من جانب طهران في المنطقة.
وظهر تباين واسع حول السياسات الإقليمية لطهران ومصير الاتفاق النووي، والخلاف الكبير حول البرامج الصاروخية الإيرانية، كلها عناصر لا يبدو أنها وجدت فرصة لنقاش موسع خلال القمة.
بعد قمة هلسنكي وبعد إخفاقه في استمالة موقف روسي ضد إيران، استأنف ترامب خطته التصعيدية الضاغطة ضد إيران، محذرا الرئيس الإيراني حسن روحاني من عواقب وخيمة إذا هدد من جديد الولايات المتحدة، في إشارة الى تلويح روحاني بإغلاق المضائق البحرية من بينها مضيق هرمز ردا على خنق صادرات النفط الإيرانية في نوفمبر المقبل، وفي حين وصف روحاني الحرب مع إيران بأنها ستكون أم المعارك، توجه ترامب الى روحاني بالقول مغردا: «لا تهدد أبدا الولايات المتحدة مرة أخرى وإلا ستتكبد عواقب لم يشهد مثيلها سوى قلة عبر التاريخ، كن حذرا».
وفي تصعيد جديد، قال قائد الحرس الثوري الإيراني الميجر جنرال محمد علي جعفري إن تهديدات الولايات المتحدة بالتضييق على تجارة إيران الدولية للنفط يمكن الرد عليها بسهولة.
ويبدو ان تهديدات ترامب ليست نزوة وإنما تندرج في سياق حملة منظمة ومركزة يساعده فيها مستشاره للأمن القومي جون بولتون ووزير الخارجية مايك بومبيو الذي، وفي لقاء ثالث مع الجالية الإيرانية في الولايات المتحدة خاطب الشارع الإيراني معلنا دعم واشنطن للحراك الشعبي ضد النظام، وآملا في أن تؤدي الضغوط الاقتصادية الى تحرك الشارع الإيراني لتعديل سلوك النظام الإيراني، وقبل هذا اللقاء في كاليفورنيا، عقد مسؤول رفيع في الخارجية الأميركية مؤتمرا صحافيا في سياق التحريض ضد النظام الإيراني، قدر فيه حجم المبالغ الذي صرفتها إيران على نظام بشار الأسد والميليشيات التابعة لها في المنطقة بنحو ١٦ مليار دولار ، كما أنها تمنح ميليشيا حزب الله اللبناني أكثر من ٧٠٠ مليون دولار سنويا، إضافة الى دعم الميليشيات الأخرى في العراق، والحوثيين في اليمن، وذلك بغرض زعزعة استقرار دول منطقة الشرق الأوسط، وكانت بذلك مسببا رئيسيا في تفاقم أزمة اللاجئين السوريين حول العالم.
من المستبعد جدا أن يصل هذا التصعيد الى الحرب، الدولتان ترقصان على حافة الهاوية، ولكن أي منهما لا تريد الحرب التي ليست في مصلحة أحد، وإن كان هناك احتمال موجود وضعيف بأن ينفذ ترامب تهديده بالانتقام إذا تعرضت الولايات المتحدة لإهانة جديدة في مضيق هرمز الذي يعد نقطة النزاع المحتملة، وفيه قامت الزوارق التابعة للحرس الثوري الإيراني بمضايقات للأسطول الأميركي الخامس الذي يقوم بدوريات في هذا الممر المائي، وكان مضيق هرمز وراء مواجهات عنيفة في العام 1988 حينما أغرقت القوات البحرية الأميركية ثلاث سفن حربية إيرانية ودمرت منصتين نفطيتين، إيران لا تريد الحرب وقادتها يدركون جيدا مدى تفوق الجيش الأميركي وقدرته على الهيمنة جوا وبحرا، وأن الذهاب الى «أم المعارك» سيكون خيارا مكلفا ومدمرا.
والرئيس ترامب لا يرغب لا في شن حرب ولا في إسقاط النظام الإيراني، وإنما خطته ستركز أولا على تغيير سلوك النظام وتطويعه ودفعه الى مفاوضات على اتفاق جديد يعالج عيوب الاتفاق النووي.
ويبدو أن ترامب يكرر مع إيران سيناريو كوريا الشمالية الذي بدأه بسقف مرتفع من التهديد والوعيد، وأنهاه باقتراح حوار وتفاوض ومشروع اتفاق، أيا يكن أفق التصعيد الأميركي ـ الإيراني ونهاياته، من الواضح أن منطقة الشرق الأوسط تتجه نحو شهور صعبة ومرحلة جديدة ينتقل فيها التوتر من الملف السوري الى الملف الإيراني، وتقف فيها إيران في زاوية الخيارات الصعبة بين القبول بمفاوضات لاتفاق جديد حول البرنامج النووي والدور الإقليمي، أو تجرع كأس العقوبات المرة وتقطيع الوقت بانتظار رحيل ترامب.