- عواقب إغلاق «هرمز» وخيمة على إيران فلا هي قادرة على مواجهة القوة الأميركية البحرية المتواجدة في البحرين ولا القوة الجوية في قطر
- طهران تصعّد «المناورات السياسية» معتمدة على أوراقها في العراق وسورية ولبنان.. وهي على قناعة بأن الصين وروسيا ستستخدمان علاقاتهما بها لمساومة أميركا والغرب
- أميركا تعتبر لعبة النفط أهم سلاح في استراتيجية الضغط على إيران للتراجع والقبول بشروطها
كل الاحتمالات اصبحت واردة في الأزمة الايرانية المستمرة والضغوط ستتواصل وخيار اللجوء الى الحرب او التصعيد الميداني وارد من قبل الطرفين اميركا أو إيران ولكن لا احد يتحمل استمرار التصعيد الاقتصادي والسياسي وصولا لحرب عسكرية شاملة، لذا من مصلحة الطرفين البحث عن مخارج لهذه الأزمة عبر الذهاب الى مفاوضات ديبلوماسية بعيدة عن الاضواء تساهم في انقاذ المنطقة والعالم من حرب شاملة يمكن تحديد كيف تبدأ، لكن لا يمكن معرفة الى اين ستصل وكيف ستنتهي.
وقد انتقلت المواجهة مع ايران من مكان الى اخر بعدما اعلن الرئيس الاميركي دونالد ترامب الحرب النفطية عليها وحيث تعتبر الولايات المتحدة ان لعبة النفط اهم سلاح في استراتيجية الضغط على ايران للتراجع والقبول بشروطها، وفي نوفمبر ستدخل حزمة العقوبات الاميركية الثانية ضد ايران المتعلقة بالنفط الايراني حيز التنفيذ، وهي الاقسى والهدف ليس الوصول الى مواجهة عسكرية او اسقاط النظام الايراني، بل الى دفع ايران للتفاوض مع الاميركيين وتغيير بنود الاتفاق النووي وتقليص الدور الايراني ودور المجموعات الموالية لايران في المنطقة تمهيدا للوصول الى تسوية شاملة لكل ازمات المنطقة ومنها الازمة السورية والازمة اليمنية والقضية الفلسطينية.
كان الوضع الاقتصادي الايراني يتأرجح على حافة الركود قبل انسحاب ترامب من الاتفاق النووي واعادة فرض العقوبات وما اقدم عليه ترامب انه وسع الحفرة فمنذ بداية حرب ترامب الاقتصادية على طهران انهار الريال الايراني الى ادنى مستوياته مقابل الدولار وعادت المظاهرات الى شوارع المدن الايرانية احتجاجا على سوء الوضع الاقتصادي، وزاد الضغط على طهران بسبب تراجع اسواق كبرى عن شراء نفطها، وتشير التوقعات الى ان الريال الايراني سوف يتدهور اكثر مع تخفيض الدول شراءها للنفط الايراني قبل الرابع من نوفمبر وهو التاريخ الذي يتعين فيه على الدول تخفيض مشترياتها الى الصفر.
ولا تزال واشنطن تحاول اقناع حلفائها بخفض مشترياتهم من نفط ايران بحلول الرابع من نوفمبر المقبل الا ان هؤلاء الحلفاء يساومون الولايات المتحدة لجني اكبر قدر من المكاسب خاصة في ظل الحرب التجارية المشتعلة بين اميركا وبعض حلفائها.
وعلى الرغم من التهديدات التي اطلقتها ادارة الرئيس ترامب فانها لم تفلح في الحصول على ضمانات كافية من الهند والصين والاتحاد الاوروبي بشأن مشترياتهم المستقبلية من النفط الايراني بعد 4 نوفمبر المقبل، فيما امتثل آخرون مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان للقرار الاميركي.
ووسط كل هذه التطورات، يخيم شبح الحرب بعدما لوحت طهران بفرض سيطرتها على مضيق هرمز وإغلاقه في وجه الناقلات التي تحمل بترول الدول العربية الى الأسواق، في حال نجحت الولايات المتحدة في منعها من بيع نفطها وغازها في الشرق والغرب، واللافت أن هذا التهديد صدر عن قادتها السياسيين الكبار، المرشد علي خامنئي والرئيس حسن روحاني وجنرالات الحرس الثوري، وهذا التهديد أخذ بعدا أكثر خطورة بقيام سلاح البحرية الايراني بإجراء مناورات في مياه الخليج العربي في موقع المضيق في 5ـ8 أغسطس الماضي واستمرت لأيام، وكان هدفها مواجهة التهديدات المحتملة، وتزامنت مع بدء تطبيق الحزمة الأولى من العقوبات في 7 أغسطس، وبعد انتهاء المناورات بأيام اختبرت إيران صاروخا جديدا قصير المدى مضادا للسفن.
الرد الأميركي على هذه التهديدات جاء على لسان مستشار الأمن القومي جون بولتون بأن إغلاق هرمز سيكون الخطيئة التي لا تغتفر لإيران، وسيكون الرد سريعا وحاسما، فالمضيق ممر دولي يحميه القانون الدولي، كما أعلن وزير الدفاع جيمس ماتيس أن القوات الأميركية جاهزة للتعامل مع أي تهديد لمضيق هرمز أو مضيق باب المندب.
ولكن خيار الحرب دونه معوقات أبرزها:
٭ إغلاق مضيق هرمز يستدرج إيران الى الحرب ولكنها لا تملك قوة كافية لمواجهة العالم والدخول في حرب مع أميركا والدول العربية التي تصدر غالبية صادراتها من النفط عبر المضيق، وستكون العواقب وخيمة وسترتد عليها، إذ لا يمكنها مواجهة القوة الأميركية (الأسطول الخامس) الموجودة في البحرين لحماية صادرات النفط عبر الخليج وحماية الملاحة، ولا قوتها الجوية الضخمة الموجودة في قطر، فضلا عن القوات الأميركية البحرية في المحيط الهندي والهادي والمتوسط، هي تلوح بالرد القاسي وتهدد بإغلاق مضيق هرمز الذي يمد العالم بنحو ربع الطاقة التي يحتاج إليها، لكنها تدرك أن اللجوء إلى مثل هذا الخطاب يخدم الساسة الأميركيين الذين يتهمونها برعاية الإرهاب والخروج على الأعراف الدولية، في الوقت الراهن، إيران تهدد وتصعد ضمن لعبة المناورات السياسية لرفع أرصدتها، وتؤدي أوراقها الإقليمية كافة، في العراق وسورية واليمن ولبنان وغزة، وهذه التهديدات مزيج من استعراض العضلات للاستهلاك الداخلي، وجزء من سياسة الإرعاب والابتزاز في الخارج.
ويمكن النظر إليها كورقة مساومة مع أميركا لإقناعها بإعادة تكليف ايران كشرطي وضامن لأمن الخليج، مقابل بعض التنازلات في مفاوضاتها المحتملة مع إدارة ترامب.
وهذا الأسلوب في المساومة يعد من خصائص الأسلوب الإيراني، وحصل مثل ذلك في مساومتها لإدارة أوباما على توسعها في سورية واليمن مقابل تنازلاتها في الملف النووي.
وهي كما يبدو تكرر الاستراتيجية التفاوضية عينها مع إدارة ترامب، وتعمل على كسب الوقت الى أن تحين الفرصة المناسبة للجلوس على مائدة التفاوض، أو تنتظر انتهاء ولاية ترامب بعد عامين، على أمل أن يأتي رئيس جديد غير معاد لها.
٭ الإدارة الأميركية لا تريد حربا جديدة في المنطقة، وتؤمن بأن العقوبات كانت السبب في دفع إيران إلى طاولة المفاوضات وتوقيعها الاتفاق النووي قبل ثلاثة أعوام، وتشديد الحصار عليها سيدفعها إلى الطاولة مجددا لإعادة النظر في هذا الاتفاق وملفات أخرى بينها البرنامج الصاروخي الباليستي وسياسة التدخل في عدد من الدول، من أفغانستان وباكستان إلى دول الشرق الأوسط... ولكن الظروف اليوم تبدلت، أوباما وفر شبكة تعاون دولية وإقليمية فاعلة، وكان لمجلس الأمن دور كبير في تبني حزم من العقوبات على إيران أدت إلى عزلها، وخلفت آثارا قاسية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، وهو ما دفعها إلى الجلوس مع الدول الخمس الكبرى وألمانيا، ولكن في المقابل، انتزعت طهران تنازلا كبيرا من واشنطن بإبعاد ملفات أخرى شائكة إقليمية وعسكرية عن الطاولة.
وكان الرهان أن إعادتها إلى المجتمع الدولي ستخلق دينامية جديدة تدفعها إلى تغيير في سلوكها وسياساتها وبرامجها، لكن ما حصل كان خلاف ذلك.
واصلت استراتيجيتها الخارجية بنشاط أكبر مستندة إلى ما وفر لها رفع الحصار من عائدات، خصوصا من تصدير الطاقة، الآن يكاد الرئيس ترامب يقف وحده في معسكر والآخرون (الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي وقوى أخرى كثيرة) في معسكر مقابل، فالعقوبات الاقتصادية على إيران أججت الحرب الاقتصادية مع الشرق وأوروبا.
وزاد الطين بلة أن إدارة ترامب فرضت وتفرض في الوقت نفسه عقوبات على تركيا وروسيا، وتهدد بمزيد من الرسوم على البضائع والواردات من الصين.
كما أن إيران ليست مقتنعة بأن الدول الأخرى الموقعة على الاتفاق النووي قادرة على توفير مظلة حماية اقتصادية لها وتعويضها ما ستخسر وما بدأت تخسر في الأسواق الدولية والغربية منها خصوصا، فالقطاعات المصرفية والصناعية والتجارية الأوروبية لن تختار في نهاية المطاف بينها وبين الولايات المتحدة، كما أن روسيا تواجه مثلها عقوبات منذ أزمة أوكرانيا، وفرضت عليها الولايات المتحدة مؤخرا رزمة جديدة من العقوبات (يعاني الروبل من تراجع كبير حيال الدولار، فضلا عن ارتفاع نسبة التضخم.
وبدأت تعلو أصوات في موسكو تطالب الرئيس فلاديمير بوتين بوقف حروبه الخارجية والالتفات إلى الأوضاع الداخلية، والاقتصاد الذي يساوي بحجمه اقتصاد أي دولة أوروبية كبرى)، وحتى الصين التي، وإن بدت حريصة على مبادلاتها التجارية مع إيران، لن تتردد في المساومة مع إدارة ترامب.
ولا يساور طهران أي شك في أن موسكو وبكين لن تترددا، كما فعلتا قبل الاتفاق النووي، في استخدام علاقاتهما بها على طاولة المساومات مع أميركا ومع الغرب عموما، حتى الرهان على تمتين التعاون بين طهران وموسكو وأنقرة قد لا يكفي لرفع التحدي. فاقتصاد تركيا وليرتها بدآ يهتزان على وقع العقوبات الأميركية ومضاعفة الرسوم على صادراتها من الصلب والألومنيوم.
تحذير أميركي من سيناريوهات تسلم الحرس الثوري السلطة
في دراسة أعدها جيمس دونز (الديبلوماسي الاميركي العريق)، لصالح مؤسسة Rand Corporation المعتمدة الرسمية لوزارة الدفاع الاميركية، إضافة إلى وكالات أمنية أميركية، عن الملف الإيراني، حذر من تمادي بعض مسؤولي إدارة الرئيس ترامب في المس بنظام الملالي، فيجب عندها أن نكون مستعدين لسيناريوهات منها رؤية قيادة جديدة في إيران يتزعمها قاسم سليماني الذي يحظى بشعبية كبيرة لتصبح القيادة الفعلية ومن دون تمويه في قبضة الحرس الثوري.
وتساءل دوبنز في دراسته هل فعلا يتم الحفاظ على المصالح الاستراتيجية الاميركية بهذه الطريقة؟
وما لم يقله دوبنز اشار اليه ديبلوماسيون اميركيون من المحسوبين على الحزب الجمهوري حين اعتبروا ان اي انفجار داخلي في إيران سيؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة من القوقاز الى آسيا الوسطى، ما يؤدي إلى فقدان السيطرة وتهديد المصالح الاميركية الحيوية وايضا تهديد روسيا.
لذلك فإن الحاجة الاستراتيجية لواشنطن هي في الحفاظ على الاستقرار الايراني، لا بل اكثر باحترام نفوذ طهران ولو من خلال وضع ضوابط وتفاهمات لأن في ذلك مصلحة لواشنطن وموسكو على السواء.