بقدر ما كان القرار الأميركي بنقل السفارة الى القدس يمثل خطورة ويحمل رمزية سلب عاصمة فلسطين التاريخية، جاء قرار واشنطن وقف تمويل وكالة الأمم المتحدة لاغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بالكامل ليمهد لمرحلة جديدة عنوانها تصفية «قضية فلسطين» من بوابة «حق العودة»، وتحويلها إلى أزمة لاجئين تخنق دول الجوار.
وإذا كان القرار الأميركي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل يعد من مقدمات «صفقة القرن»، فإن القرار بوقف تمويل «الأونروا» يصب أيضا في هذا السياق، سياق تحضير الأرضية والمسرح الفلسطيني.
فقد أعلنت وزارة الخارجية الأميركية إنهاء تمويل «الأونروا»، واصفة إياها بـ «المنحازة بشكل لا يمكن إصلاحه»، لأن إدارة الرئيس دونالد ترامب ترى أن «الأونروا» تزيد «إلى ما لا نهاية وبصورة مضخمة أعداد الفلسطينيين الذين ينطبق عليهم وضع اللاجئ»، والمشكلة «تتعدى الحاجات التمويلية وعدم تحقيق تقاسم متوازن في الأعباء» بين المانحين، بل تتصل بـ «نموذج الأونروا نفسه».
وسبق لمستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون أن مهد لهذا القرار في زيارته الأخيرة لإسرائيل (19 اغسطس الماضي)، حيث استنكر قيام «الأونروا» بما سماه «توريث» صفة اللاجئ، مكررا الدعاية الإسرائيلية التي تزعم أن اللاجئين هم الجيل الأول من الذين خرجوا من فلسطين عام 1948، وأن أبناءهم وأحفادهم ليسوا لاجئين.
وقد رحبت إسرائيل بالقرار الأميركي، وتسابق المسؤولون فيها في التعبير عن احتفالهم بهذا القرار الذي يلبي مطلبا وطموحا إسرائيليا قديما، ويشكل ترجمة لمخطط الإدارة الأميركية بتصفية القضية الفلسطينية.
إلا أن هذا الموقف الرسمي للمسؤولين الإسرائيليين يتناقض مع الأجواء داخل المؤسسات العسكرية والأمنية الإسرائيلية التي تعبر عن مخاوف من أن تسفر الإجراءات ضد «الأونروا» عن إطلاق المظاهرات الشعبية، وتصعيد العمليات المسلحة، وقد تؤدي أيضا إلى وقف التنسيق الأمني بينها وبين أجهزة الأمن في السلطة الفلسطينية.
ويرى محللون وديبلوماسيون أن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب قطع جزءا كبيرا من المساعدات المقدمة إلى الفلسطينيين سيعزز موقف إسرائيل ويضعف قدرة الولايات المتحدة على الدفع بتسوية النزاع، فضلا عن تأجيج التوتر في الشرق الأوسط، وأن الهدف من التخفيضات الأميركية هو إجبار الفلسطينيين على العودة إلى طاولة المفاوضات، لكن محللين آخرين استبعدوا حدوث ذلك خصوصا في ظل تمسك السلطة الفلسطينية بمقاطعة إدارة ترامب وخطتها للسلام المعروفة بـ «صفقة القرن»، بعد قرار القدس، ذلك أن الإجراءات الأميركية بخفض المساعدات إلى الحد الأدنى، أضعفت يد ترامب، إذ عندما لا تكون هناك أموال يمكن التهديد بقطعها، فهذا يعني أنك فقدت القدرة على التأثير.