سورة الروم مدارها إثبات وحدانية الله وإثبات سنته صلى الله عليه وسلم في نصر أهل الإيمان وبيان سنن الله تعالى في الأمم وأن كل الأمور والأحداث والتغيرات بيده وحده، لله الأمر من قبل ومن بعد، والأمر كله معلق بمشيئة الله وليس لك أيها الإنسان إلا الأخذ بالأسباب، وقد مرت بنا في سورة العنكبوت سنة الله عز وجل في نصر عباده المؤمنين وانه يوفق من يجتهد في سبيل الله تعالى وختم السورة بقوله: (والذين جاهدوا فينا.. الآية) فمعية الله ثابتة لأهل الإيمان، فالأمر والنصر بيد الله، والأمر كله معلق بمشيئته سبحانه وتعالى وليس لك أيها الإنسان إلا الأخذ بالأسباب. بدأت السورة كما بدأت سابقتها بـ «ألم».
إعجاز القرآن
(غُلبت الروم) يخبرنا الله عز وجل عن واقعة بين الفرس والروم حيث كانت الفرس والروم في ذلك الوقت من أقوى دول الأرض، وكان الفرس مشركين يعبدون النار، وكان الروم أهل كتاب، وهم أقرب الى المسلمين من الفرس، وكان المشركون يحبون الفرس لاشتراكهم معهم في الشرك. وحدث ان غلب الفرس الروم، ففرح الكافرون واغتم المسلمون لهزيمة الروم فأخبرهم الله ووعدهم بأن الروم سيغلبون الفرس.
(أدنى الأرض): هزموا في أقرب مواقع الروم الى أرض العرب بلاد الشام وهناك من قال هي البحر الميت.
بشارة
(وهم من بعد غَلَبِهم سيغلِبون) لا تغتموا لأن الروم انهزموا فليس الغلبة والنصر لمجرد وجود الأسباب وإنما هي تقترن بالقضاء والقدر.
(ويومئذ) أي يوم يغلب الروم الفرس ويقهرونهم (يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء) أي يفرحون بانتصارهم على الفرس وإن كان الجميع كفارا ولكن بعض الشر أهون من بعض ويحزن يومئذ المشركون، والغرض إطلاق العموم، أي النصر قادم لأهل الإيمان، نصر الله للروم.
(وهو العزيز الرحيم) الذي له العزة التي قهر بها الخلائق أجمعين، لا يغالبه أحد وقرن عز وجل عزته برحمته (الرحيم) والذي وسعت رحمته كل شيء.
(وعد الله لا يخلف الله وعده.. الآية) وعد الله المؤمنين وعدا جازما لا يتخلف بنصر الروم النصارى على الفرس الوثنيين ولكن أكثر كفار (مكة) لا يعلمون ان ما وعد الله به حق.
فعلى الإنسان عند ضيقه أن يفزع الى القرآن الكريم سيرى بدائع وصنائع الله بالمؤمنين لأن وعد الله صادق ولا يخلفه.
جهل المشركين
(يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) آية فيها توبيخ للإنسان لكل من تعلم علم الدنيا وانصرف عن علم الدين وهم عن أمور الآخرة غافلون عما ينفعهم ولا يفكرون فيها.
نعمة الله عليهم
(أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق.. الآية) أسلوب تبكيت وتوبيخ وإنكار عليهم، هل نسيتم فضل الله عليكم أولم يتفكر هؤلاء المكذبون برسل الله ولقائه انه خلقهم ولم يكونوا شيئا، وما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا لإقامة العدل والثواب والعقاب والدلالة على توحيده، وأجل مسمى تنتهي إليه يوم القيامة؟ فإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لجاحدون منكرون جهلا منهم بأن معادهم الى الله بعد مماتهم وغفلة منهم عن الآخرة.
آيات كونية
(أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم... الآية) إذا نظرت أيها الإنسان وتفكرت في الكون الذي أمامك لابد ان تصل إلى الإيمان بالله الذي خلق السماوات والأرض والبشر وكل شيء، أولم يسر هؤلاء المكذبون الغافلون في الأرض سير تأمل واعتبار فيشاهدوا كيف جاء جزاء الأمم الذين كذبوا برسل الله كعاد وثمود؟ وقد كانوا أقوى منهم أجساما وأقدر على التمتع بالحياة، حيث زرعوا الأرض وبنوا القصور وسكنوها فعمروا دنياهم أكثر مما عمر أهل مكة دنياهم، فلم تنفعهم عمارتهم وجاءتهم رسلهم بالبراهين الساطعة فكذبوهم فأهلكهم الله، ولم يظلمهم الله بذلك الإهلاك وإنما ظلموا أنفسهم بالشرك والعصيان لأنهم لم ينظروا نظرة اعتبار وتفكّر.
العذاب المهين
(ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون) بسبب تكذيبهم وسخريتهم بآيات الله حل عليهم عذاب مهين.
الأشهر الحرم
الأشهر الحرم هي رجب ـ ذو القعدة ـ ذو الحجة ـ المحرم سميت بالأشهر الحرم لعظم حرمتها وحرمة الذنب فيها قال تعالى (فلا تظلموا فيهن أنفسكم) التوبة: 36، مع أن ارتكاب المعصية محرم ومنهي عنه في هذه الأشهر وغيرها إلا أنه في هذه الأشهر أشد تحريما.
ألقيت المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء