Note: English translation is not 100% accurate
تشرشل وهتلر: قصة اللورد الذي حمى كبرياء بريطانيا وحطّم أحلام الفوهرر
17 سبتمبر 2007
المصدر : الأنباء




مواجهات يشهد عليها التاريخ
اعداد: محمد الحسيني
التاريخ تسطره إنجازات صنّاع أحداثه من الرجال والنساء، وكم لنا في هذا التاريخ من عِبَر ومواقف تستحق أن نقف عندها لنستفيد منها أو نثري بها معلوماتنا.
في بحر الزمن نغوص لنستحضر على مدى 30 حلقة مواجهات لا تنسى من مختلف العصور والحضارات في مجالات الحرب، الأدب، الفن والرياضة، كان التاريخ شاهدا عليها وتستحق أن نستعيدها.
تشرشل وهتلر: قصة اللورد الذي حمى كبرياء بريطانيا وحطّم أحلام "الفوهرر"
أشهر قائدين في القرن العشرين: أحدهما من أعتى أنصار الديموقراطية والآخر رمز للديكتاتورية جمعهما السعي لتحالف مع ستالين رغم اعتبار تشرشل للشيوعية بأنها "مرض" وإيمان هتلر بأنها "مؤامرة يهودية"!
بينما صاح هتلر أمام عشرات الآلاف من أنصاره «لقد تقررت الحياة الألمانية لألف سنة قادمة» كان ونستون تشرشل يقول «أفضل ان أرى لندن مدمرة من أساسها على ان أرزح تحت العبودية».
كان هتلر وتشرشل أشهر شخصيتين بامتياز في القرن العشرين، فالأول خاض أكبر مغامرات القرن وحاول فرض زعامة الرايخ الثالث على العالم وقطع شوطا كبيرا في مشروعه بعدما استطاع نفض غبار وعار الحرب العالمية الأولى عن ألمانيا، اما الثاني فكان الرجل الذي وقف بمفرده محاربا للفاشية وأعاد للعالم ثقته بالديموقراطية.
لم يلتق الرجلان يوما، ولكن كان كل منهما يحمل في قلبه الكثير من الضغينة والحقد على الآخر ويسعى لسحقه وتدميره.كلاهما كان خطيبا ماهرا قادرا على بث الحماس في صفوف مواطنيه، وحشد الدعم لقضيته وكلاهما عانى الأمرين في مسيرته السياسية، قبل ان يصلا الى عتبة الحرب العالمية التي جعلت كلا منهما بمواجهة الآخر.
وصل تشرشل الى قمة السلطة عام 1940 بعد ان اختمرت تجربته السياسية، وتعلم الكثير من الدروس والعبر وقاسى العزلة واكتسب رباطة الجأش.
ورغم انه اصبح رئيسا للوزراء وقائدا لبريطانيا العظمى في أصعب لحظة بتاريخ المملكة، الا ان الأحداث اثبتت ان وجوده كان بحد ذاته من أهم العوامل التي حفظت لبلاده كبرياءها الذي بنته على مدى العصور.
فبعد اندلاع الحرب العالمية الثانية استسلمت فرنسا أول حلفاء بريطانيا، فأصبحت الأخيرة خط المواجهة الأول وشعر تشرشل ـ كما يقول المؤلف سيباستيان هانز في كتابه «تشرشل» ـ بأنه على موعد مع القدر «فإما ان ينجح في مواجهة التحدي ويدخل التاريخ من أوسع أبوابه، وإما ان يفشل وتلعنه الأجيال القادمة. وفي تلك اللحظة أصبح تشرشل هو تشرشل فعلا، فمعسكر الحلفاء أصبح كله تحت سلطته وليس فقط بريطانيا. وذلك لأن الجنرال ديغول قائد فرنسا الحرة التجأ الى لندن، فأصبحت المواجهة بين شخصين هما هتلر وتشرشل. فإما أن ينتصر زعيم المانيا وإما أن ينتصر زعيم بريطانيا، وفي كلتا الحالتين سيُحسم التاريخ ليس فقط في أوروبا وانما على مستوى العالم ككل، لأن الحرب عالمية وليست اقليمية أو محلية».
عندئذ أتيح لتشرشل ان يثبت انه قائد تاريخي وترك الشؤون الداخلية لمساعديه ووزرائه ليتفرغ للديبلوماسية. كان يعرف ان عين التاريخ تراقبه ليل نهار، لذلك كان يعمل في مكتبه 51 ساعة يوميا كالوحش كما يقول المساعدون المقربون منه.
كيف انتصر تشرشل؟
انتصر تشرشل من خلال 3 عوامل استراتيجية: العامل الأول عندما ساهم في صمود شعبه امام القصف الجوي المرعب للنازيين ضد المدن البريطانية. فهتلر اعتقد ان غاراته المدمرة والمميتة على لندن ستسهل غزوها كما حصل مع فرنسا، وهذا ما يعبر عنه ما كتبه الأميرال غادف أحد قادة جيش هتلر عندما قال بعد احتلال الألمان لفرنسا: «ان مسافة الطيران بين انجلترا ومطارات الطيران الألماني لا تزيد على نصف ساعة، اما المسافة بين المصبات الانجليزية لنهر التايمز والمرافئ الواقعة تحت السيطرة الألمانية فلا تزيد على عدة أميال بحرية، ان الكماشة تضيق على الامبراطورية البريطانية».
ولكن سير المعارك أثبت عدم دقة هذا التحليل، فبحرية الانجليز صمدت في بحر المانش ومنعت تقدم قوات الاحتلال الألمانية من شمال فرنسا مشكلة سدا منيعا بوجه الاعداء وظهرت انجلترا وكأنها قلعة محصنة بوجه الألمان، في 6 سبتمبر 1940 بدأ القصف الجوي وبدأ بالمنشآت الحيوية، لكن ذلك لم يؤد لانهيار معنويات تشرشل ونفد صبر هتلر. فأمر بقصف المدن وشنت الطائرات الحربية الألمانية أعنف الهجمات على لندن وغيرها من المدن مبيدة الآلاف من البشر، ولكن الإنجليز رفضوا الاستسلام وكانت خطب قائدهم تلهب حماسهم وتحثهم على الصمود، وبنهاية سبتمبر ادى صمود الإنجليز الى تراجع هتلر عن مشروع الغزو وكسب تشرشل الجولة الأولى. أما العامل الثاني في انتصار تشرشل فكان قراره بإرسال أغلب ما تبقى من الجيش البريطاني الى الشرق الأوسط لمواجهة حلف هتلر ـ موسوليني، خاصة في شمال افريقيا، حيث دارت احداث معركة العلمين التي قهر فيها القائد مونتغومري ثعلب الصحراء رومل، كان ذلك احد اكثر القرارات الاستراتيجية جرأة. أما العامل الثالث فكان دخول أميركا في الحرب، فقد ألح تشرشل طويلا على صديقه الرئيس فرانكلين روزفلت لدخول الحرب حماية للغرب لكن ذلك لم يحصل إلا بعد اعتداء اليابان حليفة ألمانيا على ميناء پيرل هاربور في 9 ديسمبر 1941.
محاولة اغتيال الفوهرر
كشفت الوثائق السرية خلال الحرب العالمية الثانية والتي كشف عنها النقاب عام 1999 ان جهاز العمليات الخاصة في الاستخبارات البريطانية ـ المسؤول عن عمليات الكوماندوز والمقاومة ـ كان قد أمر بإعداد خطة لقتل ادولف هتلر، وان التخطيط للعملية قد تم بأمر مباشر من تشرشل وقد جرى ترشيح اكثر من شخص للقيام بها.
هتلر.. القرارات المتناقضة
في كثير من مراحل الحرب اتخذ هتلر قرارات صحيحة وكان بإمكانه ان يحقق حلمه أو على الأقل ألا تكون نهايته الانتحار وأكبر الهزائم في تاريخ البشرية، ولكنه بالمقابل كان رجل تناقضات بكل ما للكلمة من معنى.
قراراته في البداية بفرد عضلاته في الراين ثم اجتياح تشيكوسلوفاكيا كانت فعالة وحيوية. ولكن اجتياحه لاحقا لپولندا (السبب المباشر للحرب العالمية الثانية) وفتح الجبهة مع الاتحاد السوڤييتي واساءة تقدير قوة بريطانيا كانت من الأخطاء الفادحة التي ارتكبها.
وكان هتلر يعاني من داء جنون العظمة (البارانويا) ويقال انه غالبا ما كان يعض السجاد أو يمزق الستائر بحالات الغضب، وعندما توالت عليه الهزائم أصيب بارتخاء في عضلات ساقه اليسرى وأصيبت عينه بحالة من التقلص المستمر، بينما كانت يده اليسرى ترتعش دوما من فرط عصبيته.
مقارنة شخصية
الفارق الكبير والمعروف جيدا بين تشرشل وهتلر هو ان تشرشل كان مؤمنا بالديموقراطية مقابل ايمان هتلر بالحكم الشمولي، ولكن كانت هناك اوجه تشابه بينهما ليست معروفة على نطاق واسع.
الفارق في الخلفية كان صارخا، تشرشل المولود عام 1874كان ابنا لعائلة تتمتع بمكانة اجتماعية كبيرة وان لم تكن ثرية جدا، تعود في جذورها الى الارستقراطية الانجليزية في القرن السابع عشر، كما انها قدمت العديد من الشخصيات المتنفذة في السلطة.
اما هتلر المولود عام 1889فقد ولد لأبوين من عامة الشعب وكان والده مفتش جمارك، واضافة الى خمسة اولاد آخرين انجبتهم والدته كان لديه على الأقل ثلاثة اشقاء من زوجات وعشيقات سابقات لوالده.
ولكن تشرشل وهتلر كانا متشابهين في نواح كثيرة، فكلاهما كان تلميذا غير مجتهد، والحظ وحده هو الذي أدخل تشرشل الجامعة، في حين كتب احد مدرسي هتلر عنه أنه يتمتع بالموهبة ولكنه يفتقر الى الانضباط الذاتي، ومن المؤكد ان كليهما كان يكره الرياضيات ويميل الى الفنون الجميلة مثل المسرح والشعر، فضلا عن حبهما للتاريخ. وكان الاثنان في سن مبكرة عندما توفي والداهما، تشرشل كان في العشرين، بينما كان هتلر في الرابعة عشرة، ولكنهما لم يكونا شديدي التعلق بوالديهما.
واللافت هو ان كلا من تشرشل وهتلر يهوى الرسم، وفي حين ان هتلر بدأ هوايته في سن الحادية عشرة فإن تشرشل لم يمسك بالريشة إلا في الأربعينيات من عمره وذلك كنوع من العلاج النفسي بعد كارثة مضيق الدردنيل عام 1915. ولكن الاثنين كانا على طرفي النقيض فيما يتعلق بالشراب، فقد ثمل هتلر مرة واحدة في حياته عندما كان في السادسة عشرة بمناسبة نجاحه في الامتحان، واقسم بعدها ألا يتناول الكحول ابدا وان كان قد عرف عنه احتساؤه لكوب من الجعة، اما تشرشل فكان معروفا بحبه للشراب. ومني الرجلان بنكسات سياسية قبل ان يتربعا على قمة الحياة السياسية في بلديهما، فبعد كارثة الدردنيل عام 1915اقصي تشرشل عن وزارة البحرية، اما اخفاق هتلر الكبير فكان فشله في انقلاب«حافة ميونيخ» أو «قاعة الجعة» في ميونيخ عام 3291 الذي كان يأمل أن يوصله الى الحكم في المانيا والذي أودى به الى السجن بدلا من ذلك.
وكان تشرشل وهتلر يشتركان في كراهيتهما للشيوعية التي اعتبرها تشرشل «مرضا»، أما هتلر فقد اعتبرها مؤامرة يهودية للسيطرة على العالم.
ومع ذلك فقد تحالف كل منهما مع ستالين في مرحلة من المراحل بالرغم من انهما لم يكونا يثقان به.
بقي تشرشل يحظى بتأييد شعبه حتى انتهاء الحرب العالمية الثانية واستسلام المانيا، إلا ان استنزاف موارد الاقتصاد البريطاني في تمويل المجهود الحربي دفع بالناخبين الى الانصراف عنه في يوليو 1945 واختيار حزب العمال، فخسر الانتخابات ومعها رئاسة الوزراء.
وفي زيارة للولايات المتحدة عام 1946، حذر من نيات الاتحاد السوفييتي مستخدما عبارة «الستار الحديد» للمرة الأولى. عاد الى رئاسة الوزراء عام 1591 وبقي في منصبه حتى استقالته العام 1955 بسبب اعتلال صحته، وحصل العام 1953 على جائزة نوبل للآداب لـ «براعته في الوصف التاريخي والذاتي، فضلا عن مساهمته اللامعة في الدفاع عن القيم الانسانية».
احتفظ بمقعده النيابي حتى عام 1964 وتوفي في 24 يناير في 1965 عن نحو 90 عاما، منهيا بذلك فترة مهمة في تاريخ بريطانيا المعاصر.
يقول دارسوه ان عودته الى الحكومة عام 1951 كانت كبوة اضافية في مسيرته، فقد اتخذ قرارات اقتصادية لم تكن ناجحة تماما او على مستوى ادائه اثناء الحرب العالمية الثانية، فتشرشل السلام لم يكن موازيا لتشرشل الحرب، فقد صنع اسمه كأعظم الزعماء الحربيين وابرع واضعي خطط القتال في بريطانيا، الا انه كان متواضعا في سجل الاداء السياسي لنادي رؤساء الوزراء البريطانيين. أما هتلر فكانت نهايته منتحرا مع عشيقته اثيا براون (بعض الروايات تقول انهما تزوجا) في مخبأ بالمستشارية الألمانية في برلين واخفيت جثته من قبل مقربين منه وهو ما طرح تساؤلات حول استمراره على قيد الحياة لفترة طويلة بعد اعلان موته وتركه لألمانيا تركة ثقيلة من خلال مواقفه المعادية للسامية وغيرها.
غرام بالكلاب
من اللافت ان كلا من تشرشل وهتلر كان مغرما بالكلاب. كان «روفوس» البودل الأحمر مرافقا دائما لتشرشل خلال الحرب. وهو الذي قال عنه مرة انه «الجمهور الوحيد الذي لا ينتقدني».
في مقابل كلب تشرشل الوحيد كان هناك كلبان في حياة هتلر، «فوكسل» في الحرب العالمية الأولى و«بلوندي» خلال الحرب العالمية الثانية. وبلغ حب هتلر للكلاب درجة انه أصدر قانونا بمنع تشريح الكلاب الحية.
ليس لدي أي شيء أخفيه عن رئيس أميركا!
من النوادر التي تحكى عن تشرشل انه كان ذات مرة في زيارة إلى أميركا، وكان من عاداته ان يملي رسائله وبرقياته على سكرتيره وهو غاطس في الحمام صباحا، وبما ان البرقية كانت طويلة فانه خرج من الحمام واضعا سترة على خصره لستر عورته وهو يواصل الإملاء.
وفجأة دخل عليه روزفلت لكي يستشيره في شأن ما، وكانت السترة قد سقطت دون ان ينتبه. وذهل روزفلت عندما وجده عاريا تماما، فرد عليه قائلا: كما ترى ليس لدي أي شيء أخفيه على رئيس الولايات المتحدة!