Note: English translation is not 100% accurate
هل الحب هو العفة والوفاء والإخلاص حتى الموت أم اللهو والتغني بالمفاتن والتباهي بتعدد العلاقات؟
16 سبتمبر 2007
المصدر : الأنباء


مواجهات يشهد عليها التاريخ
اعداد: محمد الحسيني
التاريخ تسطره إنجازات صنّاع أحداثه من الرجال والنساء، وكم لنا في هذا التاريخ من عِبَر ومواقف تستحق أن نقف عندها لنستفيد منها أو نثري بها معلوماتنا.
في بحر الزمن نغوص لنستحضر على مدى 30 حلقة مواجهات لا تنسى من مختلف العصور والحضارات في مجالات الحرب، الأدب، الفن والرياضة، كان التاريخ شاهدا عليها وتستحق أن نستعيدها.
هل الحب هو العفة والوفاء والإخلاص حتى الموت أم اللهو والتغني بالمفاتن والتباهي بتعدد العلاقات؟
في ظل الرخاء والازدهار اللذين عرفهما العصر الأموي وانفتاح بلاد العرب على حضارتي الترف البيزنطية والفارسية ازدهر شعر الغزل وتحول كالغناء مطلبا للنفوس يبهجها ويثيرها، وبرع شعراء هذا العصر في ابداع أجمل القصائد التي أعادت المرأة الى صلب القصيدة العربية سواء أكانت عربية قحة أو جارية مسترّقة، ومن أبرز هؤلاء العرجي والأحوص والحارث بن خالد المخزومي الذين أضفوا الكثير على هذا العصر الذي عرف شعريا بـ «العصر الذهبي للغزل».
وانقسم الغزل الى نوعين: الغزل العذري العفيف ونجده عند جميل بثينة الذي اكتفى بحب بثينة دون غيرها طوال حياته حتى بعد فراقهما المؤلم، والغزل الجسدي الاباحي الذي غاص في تفاصيل جسد المرأة ونجمه عمر بن أبي ربيعة الذي كان يهوى تعدد العشيقات.
فبينما يقول جميل في وصف حبه لبثينة:
يهواك ما عشت الفؤاد فإن أمت
يتبع صداي صداك بين الأقبر
يقول عمر في إحدى حبيباته:
سلام عليها إن أحبت سلامنا
فإن كرهته فالسلام على أخرى
المقارنة بين شعر جميل وعمر مثيرة الى حد كبير، وتحتاج الى صفحات طويلة، ولكننا نختصرها في بعض المواقف التي أشعر فيها الرجلان لنستدل من خلالها على شخصيتيهما وعلى خصائص غزل كل منهما.
قصص جميل
جميل بن عبدالله بن معمر (؟؟م ـ 701م) من الحجاز. أحب بثينة وهي احدى قريباته. وقال فيها الشعر فرفضه أهلها وزوجوها لآخر، الا انه ظل يتردد عليها حتى شكوه الى الوالي مروان بن الحكم الذي أهدر دمه، فغادر الحجاز وتشرد الى ان وصل مصر ومات فيها.
قصائده الغزلية كما ذكرنا ذات طابع روحي، جاءت نتيجة للطابع الأخلاقي الممزوج بالجو الديني المحافظ.
اقرح البعد عن بثينة قلبه وعذبه لدرجة اعتبر فيها ان موته وقع لحظة فقدانه فرحة الاقتران بحبيبته والتقرب منها. ولذلك قال:
خليلي فيما عشتما هلا رأيتما
قتيلا بكى من حب قاتله قبلي
والحب عنده ازلي قديم ولد قبل ان يولد هو ومحبوبته:
تعلق روحي روحها قبل خلقنا
ومن بعد ما كنا نطافا وفي المهد
ومن احدى الروايات ان أبا بثينة وأخاها تجسسا يوما على كلام جميل معها فلم يريا ريبة وسمعا الحوار الذي دار بينهما كالتالي:
جميل: يا بثينة أرأيت ودي اياك وشغفي بك ألا تجزينه؟
بثينة: بماذا؟
جميل: بما يكون بين المتحابين.
بثينة: أهذا تبغي. والله لقد كنت عندي بعيدا منه، ولئن عاودت تعريضا بريبة لا رأيت وجهي أبدا.
جميل (ضحك وقال): والله ما قلت لك هذا الا لأعلم ما عندك فيه، ولو علمت انك تجيبينني اليه لعلمت انك تجيبين غيري، ولو رأيت مساعدة عليه لضربتك بسيفي هذا ما استمسك في يدي، ولو اطاعتني نفسي لهجرتك هجرة الأبد.فلما سمع والد وأخو بثينة الحوار العذري قال أبوها لأخيها: قم بنا، فما ينبغي بنا ان نمنع هذا الرجل من لقائها، فانصرفا وتركاهما.
في شعر جميل الكثير من النقاء والطهارة.
ولما بلغ بثينة خبر موته حزنت عليه حزنا شديدا وأنشدت:
وان سلواي عن جميل لساعة
من الدهر ما حانت ولا حان حينها
سواء علينا يا جميل بن معمر
إذا مت بأساء الحياة ولينها
عمر بن أبي ربيعة
أعاد عمر بن أبي ربيعة (644م ـ 733م) للمرأة العربية نجمها الساطع، وعن ذلك يقول د.طه حسين «المؤرخ الذي يريد ان يدرس حياة المرأة العربية المترفة في هذا القرن الأول... يجب ان يلتمس هذه الحياة في شعر عمر بن أبي ربيعة، فلن يظفر في مصدر آخر من مصادر الشعر والتاريخ بما يظفر به في هذا الشعر».
ويقول د.طه حسين ان عمر بن أبي ربيعة رئيس مذهب في الغزل الإباحي وقيمة المرأة عنده تكمن في شكلها أولا.
كان عمر بن أبي ربيعة شابا يتمتع بالثروة والفراغ، مع اللاهين وعرفته مجالس الطرب والغناء شاعرا ملهما ينشد الحسن في وجوه الملاح، ولم يقلع عن ذكر النساء الا في السنوات الأخيرة من حياته.
يقال عنه انه لدرجة ما تغزل بنساء عصره لم يترك امرأة الا وتكلم عنها!
وكان في شعره نرجسية واضحة ويستدل عليها بالكثير من أبياته التي كان يسوقها على لسان عشيقاته ومنها:
تقول اذ أيقنت أني مفارقها
يا ليتني مت قبل اليوم يا عمر
ومنها أيضا:
ما وافق النفس من شيء تسر به
وأعجب العين الا فوقه عمر
كان دائما ما يهوى لعب دور المعشوق لا العاشق ويتباهى بأن تفتتن البنات به ويتصدين له في كل فرصة. وعلى ذلك تشهد ابياته:
قالت الكبرى أتعرفن الفتى؟
قالت الوسطى نعم هذا عمر
قالت الصغــرى وتيمتها
قد عرفناه وهل يخفى القمر
هذا التمايز بين النوعين من الشعر جعل من عمر وجميل طرفين في صياغة نظرية الحب، فهل هو تلك العلاقة الروحية بين الرجل والمرأة التي تسمو على كل ما هو حسي، كما في شعر جميل؟ أم انه اللذة الجسدية القائمة على مفاتن المرأة ومحاسنها والتشبيب بها كما في احدى قصائد عمر عن امرأة تدعى «نعم» التي قال فيها:
أمن آل نعم انت غاد فمبكر
غداة غد أم رائح فمهجر
نحن إلى نعم فلا الشمل جامع
ولا الحبل موصول ولا أنت تقصر
هنيئا لبعل العامرية نشرها
لذيذ ورياها الذي أتذكر
على هذا التناقض اذن كان جمــــيل وعمر أبرز عنوانين في عصر احتل فــــيه الشعر مكانة مهمـــــة جدا. خاصة الغـــــزل الذي كان من أهــــدافه الأساسية اعادة الاعتبار للمرأة العربية وتمـــيزها بصفاتهـــا وجمالها واثـــارة غيرة الرجل العربي عليهــــا للحـــد من علاقـــــاته مع الجـــواري واعــــادة انتباهـــه إلـــيها.
ألا ليت ريعان الشباب جديد
جميل بثينة
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر
عمر بن أبي ربيعة