Note: English translation is not 100% accurate
العراق في حسابات المثلث «الإيراني ـ التركي ـ السعودي»
15 أغسطس 2014
المصدر : بيروت

أثارت سيطرة تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام» (داعش) على بعض المناطق في العراق استفهامات عدة حول طبيعة المواقف الإقليمية وحساباتها تجاه ما يجري في العراق، واستراتيجيات اللاعبين الإقليميين في التعاطي مع هذه التحولات الجديدة على الساحة الإقليمية، لاسيما في ظل التهديدات العابرة للحدود التي يطرحها التنظيم للعديد من الدول في منطقة الشرق الأوسط.
تركيا تبحث عن إستراتيجية
مع تمدد التهديد «الداعشي» من سورية إلى العراق، تجاهد تركيا من أجل تحصين نفسها من العنف، ومتابعة جدول أعمالها الاستراتيجي في كردستان العراق. فقد أبرمت تركيا تحالفا مع القيادة الكردية العراقية في تحد مباشر لسلطة بغداد. وبموافقة تركية وضد رغبة رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، غادرت ناقلتان تحملان بضعة براميل من النفط الخام الكردي ميناء جيهان التركي بحثا عن مشتر، بينما كان تنظيم «داعش» يصعد من وتيرة هجومه.
كانت أنقرة تعتزم إقامة علاقات أقوى مع حكومة إقليم كردستان لاستغلال احتياطات الطاقة في شمال العراق، وإدارة الاضطرابات الكردية داخل حدودها. ومع ذلك، لا تعتزم تركيا الاعتراف بالاستقلال الكردي. وبوقوع كركوك في أيدي الأكراد نتيجة المد «الداعشي»، فإن أكبر حقول النفط في شمال العراق على أهبة الاستعداد لتأجيج النزعات الانفصالية الكردية. ويقوم المسلحون الأكراد من حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب بتعزيز مواقع البشمركة في شمال العراق، وهو ما يقلق تركيا. في الوقت نفسه، يحتجز تنظيم «الدولة الإسلامية» والمجموعات الجهادية التابعة له 80 رهينة من المواطنين الأتراك.
ما يقلق الأتراك ان خيارات تركيا في العراق تتحول من خطوط حمراء لوحت بها دائما في وجه العراقيين حول مصالح تركمان العراق ومستقبل كركوك وعدم تفتيت وحدة العراق وعدم غبن السنة هناك الى المزيد من الانفتاح والتعاون مع قيادات شمال العراق الكردية وعدم التصعيد مع «داعش» لحماية أرواح المواطنين الأتراك المتواجدين بين ايديها. لو كانت البشمركة الكردية حاولت الاقتراب من كركوك في ظروف أخرى لكانت المواجهات والجبهات قد اشتعلت، لكن الخطوة العسكرية الأخيرة لأكراد شمال العراق يبدو أنها أتت بالتنسيق مع أنقرة وقدمت على أنها تحرك لابد منه لمنع دخول «داعش» الى هذه المناطق.
كبلد معرض للتأثير المباشر يجب أن تتصرف تركيا بحذر، فالخطر كبير، لأن المسلحين المتشددين متورطون في معارك مع الأكراد في شمال العراق، الحليف الرئيسي لتركيا في المنطقة، كما أن خطوط الأنابيب التي تجلب النفط العراقي إلى تركيا مهددة أيضا. لذلك استقبلت تركيا بارتياح الضربات الجوية الأميركية ضد مواقع تنظيم «الدولة الإسلامية».
ليس المشهد الحالي هو ما يقلق أنقرة بل مسار ومستقبل الأزمة العراقية والخيارات والبدائل التي ستفرض نفسها عليها ولن يمكنها التهرب منها. سيناريوهات السلم في العراق التي بدأت ترسم على حسابها من خلال الحوار الأميركي ـ الإيراني أو سيناريوهات الحرب والتقسيم والتي ستطال مصالحها الحيوية هناك مباشرة.
إيران في موقف دفاعي
ينتاب إيران التوتر من السياسة الكردية الحازمة التي تتبعها تركيا، وربما تحسبا لتهديد جهادي على نطاق واسع يجتاح الحزام السني في العراق، لذا قامت بتوسيع وجودها العسكري على طول حدودها الشمالية مع العراق. وتجد طهران نفسها في موقف غير مريح يدفعها مضطرة إلى تعزيز حلفائها الشيعة في العراق عسكريا. وعلى الرغم من امتلاك إيران لأعقد وأوسع شبكة من المسلحين بالوكالة في المنطقة للقيام بهذه المهمة، فإن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطر هائلة.
وقد سعت إيران في السنوات الأخيرة بكل ما لديها من إمكانات إلى تعزيز نفوذها الشيعي في العراق تحت السلطة المركزية في بغداد. وكانت طهران بحاجة إلى الحفاظ على موطئ قدم قوي بما فيه الكفاية في بغداد لإدارة المشهد الشيعي المنقسم في العراق. ويساعد توظيف الميليشيات الشيعية إيران في تعزيز الجيش العراقي وقت الحاجة الملحة، ولكنه يهدد بمخاطر تقويض الإستراتيجية الإيرانية طويلة الأجل في إدارة العراق من خلال ذراعها القوي في بغداد، فكلما زاد تمكين الميليشيات مع ضعف بغداد، تعين على إيران العمل بجدية أكبر للسيطرة على التحركات الانفصالية في الجنوب الشيعي في العراق، وكلما زاد توغل واقتحام المسلحين في المناطق السنية الأساسية سيؤدي ذلك الى تورط إيراني أعمق في هذا الصراع. ولا يوجد دافع أفضل للمقاتلين العرب السنة على اختلاف مشاربهم الإيديولوجية من الدعوة لحمل السلاح ضد أعدائهم التاريخيين من الفرس وحلفائهم من الشيعة العرب، فإيران عدوتهم، وتعمل على إقصائهم وتهميشهم، وتدعم المد الطائفي في بلادهم. الأحداث وضعت إيران مباشرة أمام الحالة العراقية. سقوط الموصل يعني أن حلفاءها لم يعد بمقدورهم مواجهة الموقف وحدهم، والمطلوب تدخلها بشكل مباشر ومعلن، لكن تدخلها سيحول تقسيم العراق من أمر واقع إلى حالة رسمية، وهذا من ناحية يخدم مصلحتها، لكن تدخلها المباشر سيقلب اللعبة عليها، وسيضاعف من استنزافها، وهو استنزاف لايزال مستمرا في سورية. الأسوأ أن تقسيم العراق سيعزلها جغرافيا عن سورية. فكيف ستتصرف؟ لاتزال إيران تلتزم الصمت، والتحركات خفية. الإجابة عن هذا السؤال أحد المؤشرات التي ستحدد وجهة الأحداث في العراق، مع أن ملامح الرد الإيراني على الأحداث بدأت تظهر، وفيها أن إيران قررت مواجهة الأزمة عبر طرق سياسية وسياسة احتواء للخطر الناشئ. فمشكلة «داعش» ليست مشكلتها لوحدها والمواجهة تنخرط فيها كل القوى والشرائح العراقية في إطار حكومة شراكة أزيح عن رئاستها نوري المالكي، وتحظى بغطاء ودعم إقليمي ودولي.
السعودية تستثمر
السعوديون يمتلكون أيضا الخيارات التي تجعلهم يجعلون حياة إيران أكثر صعوبة، وإذا اضطرت الرياض للتفاوض مع طهران، فستحاول الدخول في محادثات بشروطها.
تحولت المنافسة السعودية ـ الإيرانية من لبنان وسورية الى العراق، حيث لا يمكن لإيران أن تتحمل رؤية مكاسبها الشيعية وهي تهوي، حيث حافظت السعودية على روابط قوية مع العديد من المجموعات والقبائل السنية في إقليمي الأنبار والموصل اللذين ساعدا الانتفاضة السنية. خارج نطاق الحسابات الإقليمية، تبدو روسيا سعيدة تماما بالتحولات الواقعة في العراق، وتعرف هذه اللعبة جيدا، سواء كان ذلك عن طريق الصدفة، أو التصميم الاستراتيجي، أو مزيج من الاثنين. أما الولايات المتحدة، فلم يتضح دورها بعد في الأحداث وما إذا كانت شاركت في صنعها وتحريكها، أم بوغتت وفوجئت ورأت فيها فخا ومصيدة، ولكن من المرجح لواشنطن أن تترك للاعبين الإقليميين امتصاص معظم المخاطر.