كرس خطاب حالة الاتحاد الذي القاه الرئيس الاميركي دونالد ترامب امس الأول حالة الانقسام الحاد الذي تعيشه اكبر ديموقراطيات العالم قبل شهور من الانتخابات الرئاسية نوفمبر المقبل. وكان مباراة لتبادل اللكمات بين الجمهوريين والديموقراطيين.
ففي واقعة تاريخية، امتنع الرئيس الجمهوري المثير للجدل عن مصافحة رئيسة مجلس النواب الديموقراطية نانسي بيلوسي عندما مدت يدها لمصافحته وهو يعطيها نسخة من الخطاب قبل أن يبدأ الحديث.
ورغم أنها لم تتحدث إلى ترامب منذ اجتماعهما الأخير قبل اشهر في البيت الابيض، بدا عليها أنها بوغتت.
وتجنبت قول العبارات المعتاد أن يستخدمها رئيس المجلس لدى تقديم رئيس البلاد إلى الكونجرس مثل «يسعدني ويشرفني أن أقدم إليكم».
وكل ما قالته عند تقديم ترامب «أعضاء الكونجرس.. إليكم رئيس الولايات المتحدة».
وعندما انتهى من كلمته، وقفت بيلوسي ومزقت نسخة من الكلمة التي سلمها إياها، وقالت لاحقا للصحافيين إن هذا كان «الشيء المهذب مقارنة بالبديل».
ولم تكتف بيلوسي بذلك، بل نشرت على حسابها على تويتر صورة لها وهي تمد يدها فيما ترامب يدير ظهره لها، وغردت قائلة «لن يتوقف الديموقراطيين عن مد يد الصداقة لانجاز المهمة. وسنعمل للبحث عن ارضية مشتركة حيث يمكن التلاقي لكننا سنتمسك بموقفنا حيث لا يمكن ذلك».
وعن بيلوسي، قالت كيلي ماكينيني المتحدثة باسم حملة ترامب «لقد أعمتها كراهيتها لدونالد ترامب عن الطبيعة المنفرة لسلوكها المتعالي المتعجرف».
ولم يتوقف الاستفزاز المتبادل عند هذا الحد، فقد استغل الرئيس المناسبة ليمنح أعلى وسام مدني أميركي للإذاعي المثير للاستقطاب راش ليمبو.
وبدا التأثر على ليمبو الذي كان جالسا إلى جوار السيدة الأولى ميلانيا ترامب في مجلس النواب، بينما خاطبه ترامب قائلا إنه يمنحه وسام الحرية «اعترافا بكل ما قدمته لبلدنا».
وعلا صوت بعض المشرعين الديموقراطيين وهم يقولون «لا» ردا على منح الوسام إلى ليمبو، وهو صوت بارز لليمين السياسي. وقبل يوم من ذلك أبلغ ليمبو مستمعيه بأنه تأكدت إصابته بمرحلة متقدمة من سرطان الرئة.
ولم ينتظر ترامب لوضع الوسام بنفسه حول عنق ليمبو وفقا لتقليد البيت الأبيض، وترك ذلك لميلانيا بينما صفق وهلل المشرعون الجمهوريون.
وكان منح الجائزة إلى ليمبو واحدة من عدة لحظات مثيرة للشقاق في ليلة غطى فيها الأداء المسرحي على الإعلانات السياسية التي عادة ما يشهدها الخطاب الرئاسي السنوي.
وفي واحدة من تلك الأحداث، رتب ترامب لقاء مفاجئا جمع فيه شمل جندي كان يخدم في أفغانستان مع زوجته وطفليه اللذين قال ترامب انهما «لم يريا وجه أبيهما منذ شهور طويلة».
ورغم أن الخطاب جاء قبل ساعات قليلة من تصويت مجلس الشيوخ الذي يهيمن عليه الجمهوريون على محاكمته، تجنب ترامب الحديث عن المسألة، لكن جراح المعركة التي قادتها بيلوسي، بدت واضحة خلال خطابه الذي استغرق 80 دقيقة وقف له خلالها رفاقه الجمهوريون مصفقين بحماسة بينما ظل خصومه الديمقراطيون جالسين صامتين معظم الوقت.
وفي القاعة نفسها حيث تم اتهامه باستغلال السلطة وعرقلة عمل الكونغرس، شدد ترامب في خطابه على «العودة الكبرى لأميركا».
وقبل تسعة أشهر من الانتخابات الرئاسية، تغنى بالوعود التي «وفى» بها، مشيدا «بالنجاح الاقتصادي الكبير» للولايات المتحدة واتفاقاته التجارية الأخيرة مع الصين وكندا والمكسيك.
وقدم ترامب نفسه على أنه أحدث تحسنا كبيرا بعد الرئيس الديموقراطي باراك أوباما، وقال إنه تمكن من تعزيز النمو الاقتصادي الأميركي وزاد من فرص العمل.
وقال ترامب «خلافا لكثيرين قبلي، أنا وفيت بوعودي» فيما كان الجمهوريون يقاطعونه تكرارا بالتصفيق والوقوف مرددين «الولايات المتحدة، الولايات المتحدة». في المقابل كان الديموقراطيون المعارضون يجلسون صامتين.
وكانت الكسندريا اوكاسيو-كورتيز الشخصية الصاعدة في يسار الديموقراطيين، بين النواب الذين قاطعوا هذا الخطاب السنوي قائلة إنها لا تريد «اضفاء شرعية» على رئيس لا يحترم على حد قولها القوانين ولا الدستور. وندد آخرون «بأكاذيب».
كذلك، دافع الرئيس الأميركي في خطابه عن سياسته الخارجية، ودعمه للمعارض الفنزويلي خوان غوايدو الذي تعترف به الولايات المتحدة وأكثر من خمسين دولة رئيسا مؤقتا لفنزويلا.
وكان غوايدو حاضرا الثلاثاء خلال إلقاء ترامب خطابه، بحسب صحافيين في وكالة فرانس برس.
وأكد البيت الأبيض في بيان أن غوايدو، هو من بين «ضيوف الشرف» الذين تمت دعوتهم لحضور هذا الخطاب الرئاسي التقليدي.
وتطرق ترامب بشكل سريع في خطابه إلى مواجهته مع إيران وخطته للسلام في الشرق الأوسط، مؤكدا من جهة ثانية عزمه على «إعادة» الجنود الأميركيين من أفغانستان.
وفيما يتعلق بإيران، ركز ترامب على حملته للضغط على النظام الإيراني وعلى الضربة التي أمر بشنها الشهر الماضي وأدت الى مقتل قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري قاسم سليماني.
وقال الرئيس الاميركي «بسبب العقوبات القوية التي فرضناها، فإن أداء الاقتصاد الإيراني سيئ للغاية».
وقد أظهر أحدث استطلاع للرأي أعده معهد غالوب ونشر قبل ساعات من خطاب حال الاتحاد أن ترامب نال نسبة 49% من التأييد وهو أعلى مستوى يسجله منذ وصوله إلى السلطة في يناير 2017.
وما يزيد من الظروف المواتية للرئيس، هي الانتخابات التمهيدية للحزب الديموقراطي المنافس التي انطلقت في ولاية أيوا وانتهت بفشل مدو أتاح له البقاء تحت الأضواء في مركز اللعبة السياسية، وهو الموقع المفضل لديه.