صب الرئيس الأميركي دونالد ترامب الزيت على نار الاحتجاجات ضد العنصرية المشتعلة منذ أسابيع، من خلال دعوته إلى تجمع انتخابي واسع في تولسا بولاية أوكلاهوما عقب يوم واحد من ذكرى إنهاء العبودية.
واحتشد الآلاف في المدينة أمس في أول تجمع حاشد ومحفوف بالمخاطر للحملة الانتخابية، بعد الاغلاق وسط مخاوف بشأن انتشار فيروس كورونا، حيث إن الحدث أقيم داخل قاعة مغلقة تتسع لآلاف الأشخاص، ما زاد مخاطر انتقال الفيروس، خاصة أن ارتداء الاقنعة ليس أمرا إجباريا.
وأصدرت الحملة الانتخابية الخاصة بترامب بيانا غير عادي، يبلغ المشاركين بأن «يتوقعوا جميع المخاطر المتعلقة بالإصابة بمرض كوفيد-19».
ويأتي التجمع في وقت يواجه ترامب أزمات عميقة وانتقادات بينما تسجل شعبيته تراجعا في الاستطلاعات.
المخاوف فاقمتها الدعوات التي وجهها مناهضون للعنصرية بتنظيم مظاهرات موازية، توقع مراقبون ان يتجاوز تعداد الجانبين الـ 100 ألف. وأرخى التوتر بثقله على المدينة التي شهدت جدلا مزدوجا: أولا، بسبب خطر مفاقمة تفشي وباء «كوفيد-19» في البلد الأكثر تضررا في العالم من الفيروس، بالإضافة إلى خيار الرئيس استئناف التجمعات الانتخابية في خضم فترة إحياء ذكرى إنهاء العبودية في البلاد، الأمر الذي اعتبره مسؤول محلي من حركة «حياة السود تهم»، «صفعة حقيقية».
وما فاقم الجدل هو التقلبات في المواقف بشأن حظر تجول جزئي فرضه رئيس بلدية المدينة الجمهوري خشية حصول فوضى حتى اليوم، لكن ترامب نجح في إلغائه.
ولتبرير قرار فرض حظر التجول، أعلن رئيس البلدية جورج تيرون بينام أنه تلقى معلومات تفيد بأن أشخاصا مرتبطين بمجموعات «متورطة بسلوك عنيف ومدمر» كانوا يعتزمون «التسبب باضطرابات».
وتوعد ترامب «المتظاهرين ومثيري الفوضى والمشاغبين واللصوص والبلطجيين الذين يتوجهون إلى أوكلاهوما». وقال ان طريقة التعامل معهم ستكون مختلفة عن طريقة التعامل مع الاحتجاجات السابقة التي شهدتها أميركا. لكنه توجه لمؤيديه على تويتر قائلا «استمتعوا جيدا».
واعتمر مناصرو ترامب قبعات كتب عليها «ترامب 2020» ولوحوا بالأعلام الأميركية ونصبوا بحماسة منذ أيام خيما في الشوارع، لرؤية الرئيس الأميركي شخصيا.
وبالنسبة لترامب، فإن التجمعات الكبيرة هي دفعة جديدة له ولحظة تشارك مريحة مع قاعدته التي يشكل ولاؤها شبكة أمان انتخابية.
رغم تفشي الوباء وتسجيل أوكلاهوما ارتفاعا حادا في عدد الإصابات بالفيروس، إلا أن اللقاء الانتخابي ينظم في قاعة مغلقة حيث سيجتمع حوالي عشرين ألف شخص.
وأكد ترامب أن مليون شخص طلبوا بطاقات، مشيرا إلى أنه سيتمكن حوالي أربعين ألفا من حضور اللقاء في قاعة مجاورة.
ولم يكن تقريبا أي من مناصريه يرتدي كمامة أمس الأول. وسينبغي على المشاركين في المهرجانات الانتخابية التي ينظمها ترامب، توقيع وثيقة يتعهدون فيها عدم القيام بأي ملاحقات قانونية في حال إصابتهم بالفيروس بهذه المناسبة.
وقال ستيفن كورلي البالغ 19 عاما إنه يشعر بالقلق إزاء التظاهرات التي ينظمها «يساريون متطرفون» و«مشاغبون» آخرون أكثر مما يشعر به حيال «كوفيد-19».
وقام المنظمون بقياس درجات حرارة المشاركين وبتوزيع مواد معقمة لليدين وأقنعة واقية.
حتى أن خبير الأمراض المعدية ومستشار البيت الأبيض لشؤون كوفيد-19 أنطوني فاوتشي كان واضحا عندما أجاب عن سؤال بشأن ما إذا كان يمكن أن يتوجه إلى مثل هذا التجمع، فقال «بالطبع لا».
وأكد السيناتور بيرني ساندرز المرشح السابق للانتخابات الرئاسية والذي يدعم حاليا جو بايدن، أن «ترامب مستعد لنشر الفيروس فقط ليسمع بعض الهتافات».
ورغم توقف حملته الانتخابية بسبب العزل، سجل المرشح الديموقراطي جو بايدن (77 عاما) مؤخرا تقدما في استطلاعات الرأي على ترامب (74 عاما).
إذ إن النائب السابق للرئيس باراك أوباما يحترم بشكل صارم توصيات السلطات الصحية ولم ينظم مهرجانات انتخابية منذ مطلع مارس، الأمر الذي يستخدمه ترامب ليسخر منه. ويلقبه الرئيس بـ «جو النائم» كما أنه يتهمه بأنه يختبئ لأنه يفتقر إلى الطاقة.
وأعرب معارضو ترامب عن انزعاجهم أيضا لاختياره تولسا، المدينة التي شهدت عام 1921 مجزرة راح ضحيتها 300 أميركي من أصل افريقي على أيدي حشود من أصحاب البشرة البيضاء وكانت من بين أسوأ الاضطرابات العرقية في التاريخ الأميركي. ويعتبر هؤلاء أنه اختار من باب الاستفزاز أوكلاهوما لتنظيم أول مهرجان بعد استئناف الحملة الانتخابية، في حين يعتبر فوزه في هذه الولاية الجمهورية بمنزلة تحصيل حاصل.
وتجلس تامي ويلارد وهي مصففة شعر جاءت مع عائلتها من ويشيتا في ولاية أركانساس المجاورة للمشاركة في التجمع، تحت خيمة في الشارع بانتظار المهرجان الانتخابي. وقالت المرأة المقعدة البالغة 52 عاما إن ترامب «غير التاريخ احتراما لهم وهم ليسوا ممنونين».
في المقابل، سخر كريس وهو رجل أسود يبلغ من العمر 30 عاما من الرئيس الذي قال إنه السبب بجعل هذه المناسبة «شهيرة جدا». وأكد «لا يمكن لأحد من مؤيديه التظاهر بتجاهل الماضي العنصري لأميركا العظيمة التي يريدها» ترامب.