بقلم: عبدالله مطير الشريكة
بعث الله جل جلاله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، وحجة على من بُعث إليهم أجمعين، فهو صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة، الذي ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، وهو الذي قال: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)، وهو الذي اخبرنا ان الله جل جلاله لا يرحم من عباده إلا الرحماء، وأن الرحمة لا تنزع إلا من شقي، وأمر برحمة الصغار والكبار بل والبهائم، وأمر بمخالقة الناس كافة بالخلق الحسن، وما سمعت منه كلمة تخدش المسامع قط، وكان في أكثر أحواله بشوشا متبسما صلى الله عليه وسلم.
أما في مقام الدعوة إلى الله والنصح والبيان فقد كان القدوة الحسنة للمصلحين والدعاة إلى الله جل جلاله، وكان يأمر أصحابه بأن يكونوا مبشرين لا منفّرين، وميسّرين لا معسرين، وربما اشتد على من وقع منه تنفير للناس دون قصد، وهو الذي وصفه ربه جل جلاله بقوله: (فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك).
ووصف سبحانه هدي نبيه صلى الله عليه وسلم في دعوة الناس إلى الخير فقال: (وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا).
فالدعوة تقوم على البشارة لأهل الخير، والنذارة لأهل الشر، وتقوم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن أصولها تحذير الناس من القنوط من رحمة الله جل جلاله واليأس من روح الله، مهما وقعت منهم من ذنوب، كما قال جل جلاله (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا، إنه هو الغفور الرحيم).
من تأمل ما تقدم يدرك زلل بعض إخواننا الدعاة الذين وقعوا -دون قصد- في تقنيط الناس من رحمة الله، من خلال عنف الأسلوب وخشونة العبارات، ورفع الصوت على الدوام، وإغفال جانب البشارة، وإبراز رحمة الله جل جلاله الواسعة، يضاف إلى ذلك الوجوه التي هجرت الابتسامة، ولم تعرف إلا بالتجهم والعبوس، بحجة أن ذلك من الشدة على العصاة، ولست أشك في نوايا هؤلاء الإخوة الصالحة وحسن مقصدهم والله حسيبهم، لكني ههنا أنبه على زلل مسلكهم المخالف للسنّة النبوية، مع التذكير بأن النيّة الصالحة لا تكفي لتصحيح العمل، فتلك الردود العنيفة التي رأيناها على الهواء مباشرة على بعض المتصلين عبر القنوات ما هي إلا نماذج معاصرة لتنفير الناس وصدهم عن السبيل وتقنيطهم من رحمة الله، ولا أدري كيف غاب عن أصحابها تعامله صلى الله عليه وسلم الراقي مع ذلك الشاب الذي استأذنه في الزنا أمام الناس؟ ومثله تعامله صلى الله عليه وسلم مع الأعرابي الذي بال في المسجد؟ ولست أدري - والله - كيف ستكون ردة فعل هؤلاء لو وقع لهم ما وقع له صلى الله عليه وسلم أمام الناس؟!
نعم الشدة في موضعها مطلوبة ولكن في حدودها الشرعية مع التذكير بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما انتزع من شيء إلا شانه» وقوله صلى الله عليه وسلم «من يحرم الرفق يحرم الخير»، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. هذه همسة قلم لي ولإخواني ممن قد يقعون في مثل هذا التقنيط دون قصد، والله من وراء القصد.
[email protected]