لقد كان من سنة الله تعالى أن هيأ الأسباب ورتب عليها المسببات فأسباب للمعاش وأسباب للاستطباب وأسباب لغير ذلك من شؤون الحياة إلا أن أعظم الأسباب ما كان موصلا إلى مرضاة الله والفوز بثوابه، فمتى ما أخذ بتلك الأسباب التي جعلها الله أسباب نجاة وفلاح كانت نتيجة الأمر نجاة وفلاحا. فإن كانت الأخرى ذهب الفلاح والنجاة وأعقبها الذل والخسران.
ومن أوضح الأمثلة بل من أعظمها وأهمها حال أمة الإسلام اليوم وما آلت إليه تلك الحال من ضعف ومذلة بعد أن كانت تتبوأ مكان العزة والكرامة، تسود ولا تساد، وتقود ولا تقاد، تأمر بأمر الله فتطاع، وتنهى بنهي الله فلا تعصى، ذلت لها الأمم ودانت لها الدول، وكانت مضرب المثل بين الأمم لا بالقوة فحسب بل بالأمن والأمان والعدل والاطمئنان إلى أن كان ما كان من تغير أحوال وتبدل مقامات فأصبح كثير من المسلمين عبرة للمعتبرين بعد أن كانوا قدوة للآخرين.
إن تغير أحوال المسلمين مرهون بتغيير أنفسهم إلى ما يرضي الله تعالى كما قال عز وجل (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، فمتى غير المسلمون أحوالهم وأصلحوا شؤونهم بدل الله حالهم إلى أحسن حال، ورفع شأنهم وأعلى مكانتهم.
والناظر بعين الاعتبار إلى أحوال الناس قبل ظهور الإسلام يرى عجائب وغرائب من الجهالات والظلمات التي أضلت الكثير عن طريق الهداية والرشاد، فالأصنام تدعى وترجى، ومجالس الخمر معمورة صباح مساء، والظلم مرفوعة رايته وقد تلوثت في أوحاله أقدام الكثيرين. شاهد المقال: أن حياتهم لم تزل في ظلمات الجهل والفوضى حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فأخرجهم الله به من الظلمات إلى النور، ومن الذل والمهانة إلى العزة والمكانة، فأمسكوا بزمام الأمور، وتوالت الفتوحات والانتصارات، ولم يزالوا في رفعة وعزة بسبب تمسكهم بدينهم.ومع تقادم الزمن بدأ الضعف يدب إليهم بسبب بعدهم عن دينهم، ويزداد ضعفهم بقدر ابتعادهم عن دينهم. وكما هو مشاهد ومسموع ومرئي في وقتنا هذا زاد تكالب أعداء الإسلام على المسلمين، ومن أعظم أسباب ضعف المسلمين وقوة عدوهم الإعراض عن حكم الله تعالى والجهل به في كثير من بلاد المسلمين حتى أصبح أمر التوحيد غريبا في كثير من بلاد الإسلام، فكيف يرجى النصر والحدود معطلة في كثير من بلاد المسلمين، وكيف يرجى النصر والقبور تدعى من دون الله، وكيف يرجى النصر ورواد أبواب السحرة والمشعوذين يترددون عليها صباح مساء، وكيف يرجى النصر وقد أضيعت الصلاة في كثير من مساجد المسلمين، والله إن تلك الأمور أشد فتكا في المسلمين من أعدائهم. ومن أسباب ضعفهم أيضا الإعجاب والتبعية المطلقة لأعداء الإسلام ومحاكاتهم في جميع أو أكثر شؤونهم، وكذا العصبية الجاهلية لجنس أو لون أو لسان.
وإذا كان ذلك كذلك فإن تغيير تلك الحال المخزية المزرية لابد له من أسباب، أعظم تلك الأسباب: التمسك بالكتاب والسنة منهجا وعقيدة، والالتفات حول علماء الأمة الراسخين في العلم المعروفين بصلاح المعتقد وسلامة المنهج، وإعادة النظر في تاريخ المسلمين المجيد التليد، لا من باب التسلية والمواساة والتواكل، بل من باب شحذ الهمم وبعث العزائم، والحذر من اليأس والقنوط وقتل الهمم والعزائم، لكثرة ما يرى ويسمع من مصاب الإسلام في أي مكان أو زمان، فعلى المسلم أن يغلق عن نفسه باب اليأس والقنوط بأحكم الأقفال وأوثقها، وأن يحسن الظن بالله تعالى، ومن أسباب تغيير الحال استشعار المسؤولية من كل فرد من أفراد المجتمع، وذلك أن يشعر كل واحد من المسلمين مهما كان موقعه وشأنه بأنه مسؤول ومساءل، فيبدأ بإصلاح نفسه وبيته ثم تتسع دائرة الإصلاح حتى تشمل جلساءه وجيرانه ومجتمعه، وليعلم كل واحد منا أنه على ثغر من ثغور الإسلام فليحذر أن يؤتى الإسلام من قبله، فعلى الكاتب منا أن يسخر قلمه لخدمة الإسلام ونصرته، وعلى التاجر أن يراقب الله في تجارته بيعا وشراء، وعلى المسؤول في أي موقع أن يستشعر مرضاة الله في جميع شأنه.
وكذلك فإن اجتناب المعاصي والحذر والتحذير منها من أعظم أسباب فلاح الأمة، فالمعاصي مفتاح لكل شر ومغلاق لكل خير وبسببها يتصدع كيان الأمة وتزول هيبتها، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايعتم بالعينة ورضيتم بالزرع واتبعتم أذناب البقر وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم»، ومن أسباب فلاح الأمة التنبه لمكائد الأعداء والحذر منها في جميع شؤون الحياة كل بحسب طاقته ذلكم لأن المكائد إذا غفل عنها فإنها تتنامى وتزداد بحسب تجاهلها وعدم إلقاء البال لها، وفي الوقت نفسه تتبلد أحاسيس كثير من الناس تجاهها، ومن ثم يستمرئونها ويتأقلمون عليها، وأخيرا من أسباب النصر التفاؤل والقطع بأن النصر للإسلام وأهله.