Note: English translation is not 100% accurate
جند الله
خبيب بن عدي: والله لا أحب أن يصاب رسول الله بشوكة وأنا معافي
12 أغسطس 2012
المصدر : الأنباء
إعداد: ليلى الشافعي
عنب يأكل منه، وانه لموثق في الحديد، وما بمكة كلها ثمرة عنب واحدة، ما أظنه إلا رزقا رزقه الله خبيبا.
وحمل المشركون إلى خبيب نبأ مصرع زميله وأخيه زيد رضي الله عنه، ظانين أنهم بهذا يسحقون أعصابه، ويذيقونه ضعف الممات وما كانوا يعلمون أن الله الرحيم قد استضافه، وأنزل عليه سكينته ورحمته. وراحوا يساومونه على إيمانه، ويلوحون له بالنجاة إذا ما هو كفر بمحمد، ومن قبل بربه الذي آمن به. وما إن بلغوه حتى استأذنهم خبيب رضي الله عنه في أن يصلي ركعتين، وأذنوا له ظانين أنه قد يجري مع نفسه حديثا ينتهي باستسلامه وإعلان الكفران بالله وبرسوله وبدينه، وصلى خبيب ركعتين في خشوع وسلام، وتدفقت في روحه حلاوة الإيمان، فود لو يظل يصلي، ويصلي ويصلي.. ولكنه التفت صوب قاتليه وقال لهم: «والله لولا أن تحسبوا أن بي جزعا من الموت، لازددت صلاة» ثم شهر ذراعه نحو السماء وقال: «اللهم أحصهم عددا.. واقتلهم بددا»، ثم تصفح وجوههم في عزم وراح ينشد: ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي.
ولعله لأول مرة في تاريخ العرب يصلبون رجلا ثم يقتلونه فوق الصليب، فلقد أعدوا من جذوع النخل صليبا كبيرا ثبتوا فوقه خبيبا، وشدوا فوق أطرافه وثاقه، واحتشد المشركون في شماتة ظاهرة، ووقف الرماة يشحذون نبالهم. وجرت هذه الوحشية كلها في بطء مقصود أمام البطل المصلوب، الذي لم يغمض عينيه، ولم تزايل السكينة العجيبة المضيئة وجهه. وبدأت الرماح والسيوف تنهش لحمه، وهنا اقترب منه أحد زعماء قريش وقال له: أتحب أن محمدا مكانك، وأنت سليم معافى في أهلك؟
وهنا انتفض خبيب رضي الله عنه كالإعصار وصاح، في قاتليه: «والله ما أحب أني في أهلي وولدي، معي عافية الدنيا ونعيمها، ويصاب رسول الله بشوكة».
نفس الكلمات العظيمة التي قالها صاحبه زيد وهم يهمون بقتله، نفس الكلمات الباهرة الصادعة التي قالها زيد بالأمس، ويقولها خبيب، مما جعل أبا سفيان، وكان لم يسلم بعد، يضرب كفا بكف ويقول مشدوها: «والله ما رأيت أحدا يحب أحدا كما يحب أصحاب محمد محمدا».
كانت كلمات خبيب هذه إيذانا للرماح والسيوف بأن تبلغ من جسد البطل غايتها، فتناوشه في جنون ووحشية.
وقريبا من المشهد كانت تحوم طيور وصقور، كأنها تنتظر فراغ الجزارين وانصرافهم حتى تقترب فتنال من الجثمان، ولكنها سرعان ما تنادت وتجمعت، وتدانت مناقيرها كأنها تتهامس وتتبادل الحديث والنجوى، وفجأة طارت تشق الفضاء، وتمضي بعيدا، بعيدا، لكأنها شمت بحاستها وبغريزتها عبير رجل صالح أواب يفوح من الجثمان المصلوب فأبت أن تقترب منه أو تناله بسوء.
وعادت جماعة المشركين الى أوكارها الحاقدة في مكة باغية عادية، وبقي الجثمان الشهيد تحرسه فرقة من القرشيين حملة الرماح والسيوف.
كان خبيب رضي الله عنه عندما رفعوه إلى جذوع النخل التي صنعوا منها صليبا، قد يمم وجهه شطر السماء وابتهل إلى ربه العظيم قائلا: «اللهم انا قد بلغنا رسالة رسولك فبلغه الغداة ما يصنع بنا»، واستجاب الله دعاءه، فبينما الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة إذ غمره احساس وثيق بأن أصحابه في محنة، وتراءى له جثمان احدهم معلقا، ومن فوره دعا المقداد بن عمرو والزبير بن العوام فركبا فرسيهما ومضيا يقطعان الأرض وثبا.
وجمعهما الله بالمكان المنشود، وأنزلا جثمان صاحبهما خبيب، حيث كانت بقعة طاهرة من الأرض في انتظاره لتضمه تحت ثراها الرطيب، ولا يعرف أحد حتى اليوم أين قبر خبيب.
ولعل ذلك أحرى به وأجدر، حتى يظل مكانه في ذاكرة التاريخ، وفي ضمير الحياة، بطلا فوق الصليب.