ليلى الشافعي
ها هو شهر رمضان الفضيل قد رحل، فاز فيه من فاز، لكن الفضل والعمل الصالح مازال متاحا بعد رمضان، فقد شرعت السنة النبوية صيام الأيام الستة البيض أو ما يعرف بـ «ستة شوال» وقد فصل الفقهاء القول في هذه المسألة، وأفاضوا في تبيان الوجوه الشرعية وأحكامها وأوقاتها وطريقة صيامها وأوجه أخرى كثيرة.
وقد رأينا إبراز تلخيص نرجو أن يكون غير مخل بهذه المسألة حتى يهتدي المسلم إلى القول الراجح ويؤدي هذه العبادة على الوجه الذي يكون مستندا الى دلائل صحيحة.
ولذلك تفرع عن المسألة أقوال منها:
القول الأول: قال جمهور العلماء من الشافعية، والحنابلة، والبعض من المالكية والحنفية بأن صيام الست من شوال مستحب واستدلوا على ذلك بحديث ابي ايوب الانصاري، بالإضافة الى ما روي عن ثوبان مولى الرسول، عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صيام شهر رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة ايام بعده بشهرين، فذلك صيام السنة». مما يؤكد فضيلة صيام ستة ايام من شهر شوال واستدلوا ايضا بقول الله تعالى: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون). فالآية عامة تدل على أن أجر كل العبادات مضاعف الى عشرة امثال، إلا الصيام الذي استثني يقول الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله عزّ وجلّ: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم اطيب عند الله من ريح المسك».
القول الثاني: وردت عن بعض فقهاء المذهب الحنفي والمالكي كراهة صيام ستة ايام من شهر شوال: فقد ورد عن الامام يحيى بن يحيى: وهو فقيه في المذهب المالكي عدم ورود اي نص عن اهل العلم والفقه والسلف يشير الى انهم كانوا يصومون ستة ايام من شوال بعد رمضان، خوفا من وقوع الناس في البدعة بظنهم وجوب الصيام.
يتفرع الصيام من دون صيام شهر رمضان الى نوعين: الأول: صيام الكفارات والنذور وهو صيام واجب، والثاني صيام التطوع ومنه صيام ستة ايام من شوال، وقد شرع صيامها تحقيقا للعديد من الحكم التي قد يغفل عنها العبد بيان البعض منها آتيا:
٭ نيل الأجر العظيم من الله سبحانه كما روي في الصحيح من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر». وبيان المقصود من الحديث السابق فسر بما روي عن ثوبان عن الرسول صلى الله عليه وسلم: «جعل الله الحسنة بعشر أمثالها، الشهر بعشرة أشهر، وصيام ستة ايام بعد الشهر تمام السنة». فأجر صيام ستة ايام بعد شهر رمضان، في شهر شوال يعادل اجر صيام سنة كاملة، ويفسر ذلك بأن الحسنة بعشر أمثالها، وصيام شهر رمضان يعادل ثلاثين حسنة وكل حسنة بعشر: اي ثلاثمائة حسنة، وصيام ستة ايام يعادل ستين حسنة وبذلك يصبح مجموع اجر صيام رمضان وستة ايام بعده ثلاثمائة وستين حسنة تقابل عدد ايام السنة.
٭ جبر النقص الذي قد يطرأ على الفريضة وإتمامه ويستدل على ذلك بما روي عن تميم الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته فإن أكملها كتبت له نافلة فإن لم يكن أكملها قال الله سبحانه لملائكته انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع فأكملوا بها ما ضيع من فريضته ثم يؤخذ الأعمال على حسب ذلك».
٭ زيادة قرب العبد من ربه، وكسب رضاه ومحبته، قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عزّ وجلّ: «مايزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها».
٭ تيسير أداء الفرائض وتسهيلها، وعدم الانقطاع عنها، والمداومة على أدائها في جميع الأحوال والظروف: إذ إن المداومة على أداء النوافل من العوامل التي تحفز العبد على اداء الفرائض وعدم التهاون فيها.
٭ تحقيق صلة العبد بربه في كل الأزمان فلا يحصل اي انقطاع او غفلة.
بين العلماء العديد من المسائل والأحكام المتعلقة بصيام ستة ايام من شهر شوال بين البعض منها فيما يأتي:
حكم صيام ستة ايام من غير شهر شوال: وقد اختلف العلماء فيها وذهبوا في ذلك الى ثلاثة اقوال، بيانها آتيا:
القول الأول: قال المالكية بجواز صيام ستة ايام في غير شهر شوال، واستدلوا على ذلك بعدة ادلة، منها حديث ابي ايوب الانصاري رضي الله عنه سابق الذكر فاحتجوا بأن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر الدهر مطلقا وجعله محلا للصيام، وحدد شهر شوال: تخفيفا وتيسيرا، بالإضافة الى ما رواه ابوهريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله: كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به».
وما روي عن ابي ذر الغفاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صام من كل شهر ثلاثة ايام فذلك صيام الدهر». ويستدل من الأحاديث السابقة ان الصيام لم يحصر في وقت محدد وأيام السنة كلها موضع للصيام.
القول الثاني: قال كل من الشافعية والحنابلة بعدم جواز صيام ستة ايام في غير شوال، وقد استدلوا بحديث ابي ايوب الانصاري، اذ حدد شهر شوال خاصة دون غيره من الشهور، من باب تعجيل العمل الصالح، كما في قوله تعالى: (فاستبقوا الخيرات).
القول الثالث: قال الحنفية في بيان حكم صيام التطوع بشكل عام جواز التطوع في الصيام كل أيام السنة إلا ما وردت كراهته، أو استحبابه.
الفصل في النية: يجب الفصل بين نية قضاء شهر رمضان ونية صيام ستة ايام من شهر شوال، ولا يجوز الجمع بينهما، اذ ان نية الواجب وهو القضاء لابد من تبييتها ليلا اما صيام النفل فتصح فيه النية من يوم الصيام.
التتابع والتفريق: اختلف العلماء في بيان حكم صيام ستة ايام من شهر شوال: متتابعة ام متفرقة، وذهبوا في ذلك الى عدة اقوال بيانها آتيا:
٭ الشافعية: ذهبوا الى تفضيل واستحباب صيامها متتابعة بعد العيد، مسارعة للأعمال الصالحة.
٭ الحنفية: ذهبوا الى استحباب صيامها متفرقة بصيام يومين في كل اسبوع.
٭ المالكية: ذهبوا الى كراهة صيامها متتابعة ومتصلة بشهر رمضان.
٭ الحنابلة: ذهبوا الى عدم التفريق في الافضلية بين التتابع والتفريق.