إثر انخفاض أسعار النفط عالميا، أعلنت الحكومة عن أنها تواجه عجزا ماليا غير مسبوق، وجاءت بما أسمته برنامج تصحيح الحالة المالية والاقتصاد، كحل للأزمة التي بدا أنها تهدد البلاد كما لم تفعل أي أزمة اقتصادية عالمية أخرى، حزمة الحلول الحكومية أخذت بتوجيهات كل من الصندوق والبنك الدوليين في بيع بعض مؤسسات وشركات الدولة، بتقليص الدعوم التي يتمتع بها المواطن دون اهتمام كبير بالمطالب الشعبية بمكافحة الفساد، وبدء تنفيذ مشاريع تنموية كبرى لتحريك الاقتصاد وخلق فرص عمل جديدة، فقد كان اهتمام المؤسستين الاستشاريتين منصبا على الاحتفاظ بدرجة عالية من تصنيف الدولة الائتماني العالمي.
في ظل أزمة كبرى تهدد أهم مصادر دخل البلاد يصبح من الأهمية بمكان أن تكون أولوية مجلس الأمة ومحور اهتمامه حث الحكومة على وضع استراتيجية تهتم بالحاضر والمستقبل القريب للتعامل مع التراجع في أسعار النفط وتدني الطلب عليه، وهو ما تؤكده الدراسات العلمية كنتيجة للتوجه الآخذ في التزايد لاستخدام الطاقة البديلة (النظيفة)، فالعالم يتسابق على تحسين إنتاج السيارة التي تعمل بالطاقة الكهربائية، فإذا عرفنا أن وقود السيارات والطائرات ومشتقاته الأخرى يمثل أكثر من 60%، من مبيعات النفط أمكننا تصور حجم الأزمة المرتقبة.
هذه هي اتجاهات المستقبل القريب المؤكدة لذا لابد أن تشتمل الاستراتيجية الحكومية على حلول لمواجهتها:
1 ـ من أهم هذه الحلول وأكثرها ديمومة، التوجه للتصنيع والصناعات النفطية وتمثل تجربة سنغافورة المثال الناجح الممكن الاقتداء به فقد اتجهت إلى الصناعات البتروكيمائية وهندسة المعادن وصناعة السفن والمعدات المنزلية، كما اهتمت بالتحول إلى مركز دولي لتكرير النفط وتجارته وهذان ما يجب أن تهتم بهما الكويت بصفة الاستعجال.
2 ـ أما أهمها استراتيجيا فهو تحول البلاد لتكون مركزا للبحث العلمي كما يحدث في سنغافورة أيضا، فالتحول سريع ولا يحتاج لتغييرات جذرية في البنية التحتية ولا وجود لمنافسة مهمة له في المنطقة، وتكلفته لا تزيد على بناء جامعة متخصصة ومختبرات ومعامل للبحث العلمي وتخصيص 3-4% من الدخل القومي له في مراحله الأولى، إذ سيتولى الصرف بعدها على أعماله ذاتيا، فضلا عن انه متوافق مع أعراف وتقاليد المجتمع السائدة ومقارنة بالتحول لمركز مالي فهو انجح واسرع في التنفيذ واقل تكلفة.
3 ـ لكي تكتمل عوامل نجاح التحول للتصنيع وتجارة النفط والبحث العلمي يتحتم توجيه التعليم وتطويره لتتناسب مخرجاته واحتياجات سوق العمل حديث التكوين، ومن الممكن الاستفادة من التجربة الفنلندية في التعليم لقرب النظام التعليمي وتشابهه في البلدين (أكاديمي ومهني) وان كان الفارق في المستوى كبيرا.
لا شك أن هناك توجهات أخرى غاية في الأهمية كتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ورؤية الحكومة للكويت في العام 2035 ومشروع مدينة الحرير الرائع، وغيرها من المعالجات والطموحات، إلا أننا ركزنا على الحلول كما رأيناها الأسرع في الإنجاز والأقل تكلفة، والأفضل أن تتماشى جميع هذه الحلول مع بعضها البعض.
[email protected]