كان يقول: «إذا دخلنا بحر الخراب ـ المحيط الهندي ـ وزاد علينا الهوا نشوف الموجة جاية مثل الجبل وإحنا تحتها كأننا في وادي أظلم، البطن يلصق بالظهر ننتظر يمكن تركبنا، فإذا تعادل معاها البوم ارتفعنا فوقها، نشوف الوادي اللي بين الموجتين صار تحتنا وإحنا مرتفعين فوقه، وتمشي الموجة بطريقها فننزل مرة ثانية كأننا خشبة، مو بوم فيه ستين نفر».
هذه كانت عيشة أهل البحر عندما يسافرون لنقل البضائع عبر المحيطات الهائجة، وحتى إذا توقفت الرياح تماما وسكنت ولم تجد الأشرعة شيئا يدفعها فاسترخت تاركة هؤلاء البحارة في وسط المحيط لأيام قد تصل الى سبعة وعشرة ينفد خلالها الزاد، ويأخذ منهم الجوع والعطش كل مأخذ تحت شمس حارقة لا سقف بينهم وبينها، ومن يعجز منهم عن الصمود يموت، يصلون عليه ويرمونه في البحر ويعودون الى انتظار الفرج، كنت ترى النوخذة والبحرية وهم يستغيثون برب السماء والأرض، القلوب تذوي من الضعف والعجز، وفجأة تهب ريح طيبة تمطرهم بماء رقراق يسارعون الى جمعه بالأشرعة ليصب في مخزن الماء، فيشربون ويفرحون لدنو الفرج، فقد تحرك البوم بعد توقف لأيام كادوا فيها أن يموتوا جميعا.
هذا الجيل كان يورد الى الكويت السلع والبضائع، وينقلها بين موانئ الخليج وخارجه، وهو الذي قام على أكتافه اقتصاد الكويت ومعايش أهلها، يقول صقر القطامي: «بوم البدري كانت حمولته 188 طنا، وبوم الداو 400 طن، كنا ننقل الأرزاق بين الخليج والهند وافريقيا، وكنا نسمع عن طبعة بوم فلان وبوم فلان، ما نخاف، المرض كان يأخذ منا أرواح تموت بالدرب ما نهاب، نتألم على اللي راحوا وكل اللي نقوله: لا حول ولا قوة إلا بالله».
لقد كان جيل «الصبر»، قال لي العم بوعلي العبيدلي يرحمه الله عندما سألته «ماذا تفعلون اذا اشتدت عليكم المعاناة في البحر؟» فقال «كنا نشيل شيلة – هتاف – كل البحرية بصوت واحد، وسطح البوم يخض تحتنا من الردحة (لتقوية المعنويات): «صبارة على حكم الله... صبارة على حكم الله .. صبارة على حكم الله».
كلمة أخيرة: نعم، «صبارة على حكم الله» ولا حول ولا قوة إلا بالله، فقد انتقل إلى رحمة الله عمي والد زوجتي يوم الجمعة، فهد سعود المضف، لقد كان البحر هو حياته كلها، سمعت منه تفاصيل كثيرة منها ما ذكرته الآن وكثير منها لا يعرفه أحد، فهي حكايات ذهب أكثرها مع الأرواح التي استقرت في قاع المحيط - مثل طبعة بوم بلال – والباقي ذهب مع رحيل رجال قليلي الكلام، يرحلون من بيننا الواحد تلو الآخر بصمت ووقار.
عمي الحبيب، لقد كانت مصافحتك لي وأنت على سرير المستشفى قبل أربعة أيام بقوة وشدة لم أعهدها منك طوال حياتك. ترى ماذا كنت تريد أن تقول؟ لقد كانت مصافحة قوية ونظرة صامتة طويلة، لقد كانت نظرة الوداع. يرحمك الله يا عم، وأسأله سبحانه لك فسيح جناته، وعظيم رحماته، وجزيل الأجر والمثوبة في الفردوس الأعلى إن شاء الله.. اللهم آمين.
[email protected]