من أعجب ما قرأت في الأسابيع الماضية ما يلي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر «يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي الا خيرا» فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال انا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا امرك، فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلا صالحا ولكن اجتهلته الحمية فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا بأن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا. انتهى. جرى هذا الجدل ابان حادثة الأفك، وقد تحرك رد الفعل الذي ذكر حمية الجاهلية وحدث ذلك أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، رغم اتفاق الطرفين على المسألة التي طرحها النبي صلى الله عليه وسلم، الا أن تلك الخصلة من الحمية الهوجاء كادت أن تجرف صحابيا مثل سعد بن عبادة وأن ينجرف وراءه جمع من قومه بسبب تلك الحمية المذمومة، حدث ذلك والقرآن يتنزل على الناس وهم في الصدر الأول من الإسلام، فانظر!
نعم، وفي زماننا هذا، حدثت خلال المائة سنة الماضية في دول شقيقة حروب داخلية دامية، واليوم إذا جاء ذكرها كان رد العقلاء هناك «هذا شيء مضى، واليوم بين الجميع نسب ومحبة وتحولوا الى أبناء عمومة وخؤولة» رغم أن ما مضى ذهبت فيه أرواح، غير أن الجميع اليوم شركاء في حاضر جميل ومستقبل زاهر الأمر الذي لا يسمح بالنظر الى الخلف، فليس وراء ذلك الا الخسران المبين.
مناسبة هذا الحديث هي ما حدث في الأسبوع الماضي والذي يمثل جانبا من مسلسل الشحن الممتد لسنوات أدى الى ملء الإناء بمشاعر الاحتقان، فاذا ملأ أحدهم ذلك الإناء ثم جاء من يضيف اليه قطرة أفاضت ما فيه، فالمتسبب الأول هو من ملأ الإناء وليس تلك القطرة فقط، فالله الله في أنفسكم يا قوم، واعملوا أن نعمة الأمن عظيمة ومن العبث التفريط فيها، وقد رأيت من عقلاء الناس في البادية أثناء رحلاتي اليها من اذا تحدث عن وقائع قديمة لاحظت أنه يتجاوز التفاصيل، ويختصر المشاهد القديمة بعبارة «هذا شيء مضى، والله لا يعيد الشر» بينما اليوم تجد من الشباب من يستمتع بترداد كلام يفلق الصخر ويشحن الصدر ولا يقدر عواقب الكلام، وهذا والله من قلة الخبرة ما يتطلب التذكير وربما الزجر الشديد.
كلمة أخيرة:
خرج عمرو بن العاص في تجارة الى الحبشة قبل الإسلام، وكان معه فتى في مثل سنه اسمه عمارة، والاثنان من أهل الحدة والمكر، فالتقى أهالي كل منهما في دار الندوة في قريش وقالوا «يا معشر قريش قد علمتم شأن فلان وفلان، ووالله لن يطول بهما الزمان حتى يقتتلا، فإن كان ذلك فنحن براء مما يقع بينهما من الشر»، وبالفعل حدثت بينهما شحناء وعراك، الا أن شر ذلك العراك لم يمتد الى الحيين في مكة، لأنهما استبقا الحدث بذلك الاعلان، فلم يعد للحمية مكان بسبب تلك الخطوة الحكيمة.
[email protected]