تحدث بيرنارد مادوف، أكبر مختلس في التاريخ، من سجنه في نورث كارولينا لجريدة الفاينانشال تايمز، ونقلت الزميلة «القبس» هذا الحديث، قال: «كان عملي الأساسي يقوم على دفع أرباح للمستثمرين القدامى من أموال يودعها مستثمرون جدد» هذه اللعبة المكشوفة التي يعرفها أي مدقق حسابات انطلت على نظام رقابي كامل في نيويورك وعلى مصرف عريق هو نتاج اندماج «جي بي مورغن» مع بنك تشيس، ومع ذلك لم يتساءل ـ كما يقول مادوف ـ هذا المصرف عن حركة 100مليار والتي كانت تتم في يوم واحد، والسبب هو السمعة الذهبية لمادوف اليهودي ومن ورائه أربع عائلات يهودية وصناديق مؤسسات يهودية، إنهم النفوذ الذي يحرك وول ستريت، فمن يجرؤ على مساءلته؟!
يتابع مادوف: «لم تنجح الإستراتيجية التي تعتمد على تقلب السوق مع الحجم الكبير والزخم العام في السوق ففشلت في متابعة النمو عام 1992 وهنا انحرفت نحو مناقلة الأرباح بين الجديد والقديم».
سأله الصحافي: «عندما أدركت أنك فشلت لماذا لم ترجع الأموال لأصحابها عام 1992؟».
أجاب: «الغرور، ضع نفسك مكاني، كنت غير معروف وخارج النادي، ثم أصبحت محط أنظار جميع البنوك الكبيرة، رؤساء «دويتشه بنك» و«كريديت سويس» يطرقون بابك، هل كنت ستنسحب الى الزاوية بهدوء؟».
سخر الصحافي من كلام مادوف الذي ختمه قائلا «صدقني لم يكن الأمر يتعلق بالمال فقط»، يقول الصحافي «كشفت التحقيقات عن حساباته بأرصدة ضخمة في بنك بجبل طارق ومجوهرات تقدر بمئات الملايين وعقارات فاحشة الفخامة وطائرة خاصة، لم تمنعه تلك الممتلكات من القول (الأمر لا يتعلق بالمال)» انتهى.
بالنسبة لي، الأهم من مادوف هي تلك البنوك التي وجدت فيه الطريق السهل لزيادة الأرباح، بالنظر الى أن إدارة العمليات التمويلية الضخمة للمشاريع النافعة تتطلب جهودا طويلة وتعاملا مع أطراف كثيرة لإقامة تلك المشاريع وهو ما يتخلصون منه باللجوء إلى «بنوك الاستثمار» التي تسليهم بأرقام ربع فصلية تؤمن لهم إعلان أرباح متتابعة ترتفع معها قيمة سهم البنك ويحققون هم من ورائها مكافآت ورواتب مرتفعة.
المطلوب هو مراجعة مفهوم ودور «بنوك الاستثمار»، ليس العيب في وجود من يملك التخصص والتركيز في قطاعات معينة تتنامى فيها خبراته، وتتجه إليه أموال البنوك ثقة في منهجيته وسجل أدائه المنضبط، ولكن العيب هو في الثقة العمياء والبحث عن الضربات السريعة، وهذا لا يليق بالصناعة المالية ككل، والمصرفية على وجه الخصوص.
كلمة أخيرة:
البنوك التي تمول شركات الاستثمار بشكل غير مدروس هي شريكة في تعثر تلك الشركات، وعليها أن تتحمل المسؤولية، ولهذا سيضطر بنك جي بي مورغن وبنك تشيس للدخول في تسوية لسداد الـ 7 مليارات التي منحوها (...) لمادوف، بعد أن فشلوا في تحميله وحده كل المسؤولية بعيدا عن تقصيرهم الفادح.
[email protected]