الرحيل المفاجئ لشخص عزيز عن هذه الحياة يختلف عن رحيل سبقته مقدمات، رغم أن فقد الأحبة كله مؤلم، ولكن قدرة الاحتمال تتفاوت بسبب المفاجأة التي تجعل هذا الحدث مثل قرعة طبل حرب كبير بحجم مبنى ضخم، يكون خبر الوفاة مثل صوت ضربة واحدة مدوية على هذا الطبل يقع القلب منها على الأرض وتنقبض مصارين البطن، كما يحدث عند سماع دوي مدفع في ساحة حرب، ولا يعرف هذا الشعور إلا من سمع تلك الضربة في زمن الحروب.
لقد ارتبطت حياة الراحل بمن حوله وارتبطت حياتهم به، ذكريات بعيدة في الزمان منذ سنوات الطفولة والصبا والشباب، وهي قريبة في المكان فلا تكاد تفترق مع من تحبه إلا واشتقت إلى لقائه، كتب مصطفى أمين ذات يوم بعد رحيل أخيه علي أمين «كان توأمي في الولادة وأيضا في الروح، لم نكن نفترق إلا لنلتقي، كنا كطرفي مقص لا فراق بيننا، لم أستطع تحمل فكرة فراقه إلا عندما تذكرت أنه أحيانا كان يسافر لمدة طويلة ثم يعود، واعتبرته الآن في سفر جديد سيعود منه قريبا، أو أذهب إليه، فهدأت نفسي، لأني سألتقي أخي علي، ولأن هذا الفراق مؤقت».
نعم، التعامل مع فراق الأحبة صعب، فكل شيء يذكرنا بهم، وهذا شيء جيد، فلماذا نريد أن ننسى؟ لماذا يقول البعض، لا أتحمل رؤية صورته؟ لماذا نريده أن يختفي من وجودنا؟ لقد رحل البدن وبقيت روحه وقيمه وعباراته، وتعابير وجهه، بل وحتى ضحكاته وقفشاته حية بيننا، وبقدر ما نجدد تلك الصفات بقدر ما نسعد روح الراحل العزيز، لقد تشكل كيانه في تجاويف مشاعرنا وتفاصيل جوارحنا على مر سنوات طويلة، ولكن، ها هو اليوم «جيل جديد» تركه الراحل من خلفه حاملا صفاته، سيكبر الصغار وسيكونون رجالا ونساء يحملون تلك الصفات، وربما يزيدون فيها جمالا وبهاء، وستحل ذكرى ذلك الراحل الكبير حيثما برزت صفاته عبر هؤلاء الجدد، فيقول القائل في كل يوم «ذكرتموني بفلان، الله يرحمه، صحيح، خير خلف لخير سلف»... وهذا هو بيت القصيد، وأكبر العزاء في رحيل الأحبة.
ولا يمكن أن يتحقق «الصبر الجميل» بمجرد مرور السنين وسلوان النفوس، فالبهائم أيضا تتألم لفقد صغارها ثم تسلو، ولكن «الصبر الجميل» هو المصحوب بالاحتساب ورجاء الثواب والتسليم لرب الأرباب، وهو الذي يميز المؤمن الصلب عن غيره، لأنه ينهض بسرعة من كبوته واقفا بهمة عالية، عيناه تنظران بحدة وبصر ثاقب إلى الأمام، قائلة للروح: «حان وقت العمل لنغرس في الأرض أطيب ذكرى تبقى بعد رحيلنا نحن أيضا».
كلمة أخيرة:
التقى معاوية رضي الله عنه بشاب توفي والده، فسأله: «هل أوصى أبوك عليك أحدا؟».
قال الشاب: «أبي أوصاني، ولم يوصِ علي».
قال معاوية: «إني أرى عقلا وهمة، فبم أوصاك؟».
قال الشاب: «أوصاني ألا يفقد الناس إلا وجهه».
لقد كانت لأبيه خصال حلوة من تجهيز مائدة طعام لفقراء الحي كل يوم، وصلات يرسلها الى أقاربه وأرحامه، ومجالس كريمة يغشاها، فكانت وصيته لابنه أن تستمر تلك الأمور بعد حياته فلا يفتقد الناس غيابه لحضور من يسد مكانه ويجدد تلك الخصال الحلوة في الدنيا الجميلة، وإنما غاب الوجه فقط.
[email protected]