وصل مدير جامعة النجاح د.كايد عبدالحق الى مدينته نابلس بفلسطين في منتصف الليل قادما من القدس، عند الحاجز الامني الاسرائيلي تعرفوا على وظيفته وأخبروه بأن القائد العسكري في نابلس يريد مقابلته بشكل ودي بعد ايصال أسرته الى البيت، قال د.كايد: «كان الوقت متأخرا قررت أن أبقى في البيت وأذهب اليه في الصباح، فجاءت سيارة دورية لاصطحابي الى القائد العسكري فذهبت، علمت منه أنه أستاذ جامعي مجند، قال لي، أحب أن أتحاور معك بطريقة علمية، أنت ترى ما يفعله النظام السوري وغيره بالفلسطينيين، ألسنا نحن الاسرائيليين أفضل لكم منهم وقد منحنا عرب 48 جميع الحقوق المدنية كمواطنين اسرائيليين؟ لكم حق الانتخاب والترشيح وحتى التجارة، تستطيعون أنتم سكان الضفة وغزة أن تحصلوا على نفس الحقوق، لماذا الرفض؟»، قلت له: «كلامك صحيح، الانظمة العربية قست علينا وزادت في محنتنا، ولكن أيا منها لا يقول إن فلسطين هي أرضه، ماذا نفعل بالمعاملة الجيدة اذا كانت تعني بالنهاية خسارتنا أرضنا؟» انتهى.
تذكرت هذه المحادثة بعد قراءة مقال خالد القشطيني في جريدة الشرق الاوسط يوم الاثنين يقول فيه: «لماذا لا تحاول اسرائيل أن تستولي على العالم العربي من المحيط الى الخليج وتقيم امبراطورية النبي سليمان وتحل مشاكلنا وتخلصنا من صراعاتنا؟» قال ذلك بعد امتداحه للاستعمار البريطاني متجاهلا الحقيقة التي ذكرها د.كايد عبدالحق، فالانجليز لم يزعموا يوما أن هذه أرضهم ولا حاولوا ـ مثل هتلر ـ سحق هوية الشعوب التي احتلوها بل احترموا الثقافات المحلية، في حين استبدلت اسرائيل كل الاسماء العربية بأخرى توراتية صرفة، وهم يعلنون صراحة أنهم دولة دينية يهودية ..الخ، هل هذا ما يريده القشطيني للعرب فقط لانهم في أسوأ مراحل تاريخهم، وهو يعلم جيدا أن الدنيا دول، وأن اسرائيل اليوم تستند الى حقن متلاحقة تأتيها من الغرب ولا أمل لها في العيش اذا ما تغير مصدر تلك الحقن، ولست ألومه على ضيقه من أوضاع الامة العربية ولكنه هو ومن يشاكله كانوا من صناع هذه الاوضاع وبدلا من الاعتذار للاجيال التي اكتوت بنيران فكرهم المدمر ها هو يتحفنا بجرعة جديدة من هذا السم المميت للانسلاخ المطلق والذوبان في حفنة من الافاقين الذين يملك كل واحد منهم بيتا في بطرسبورغ وكاليفورنيا ويحتفظ بأوراقه الثبوتية للعودة الى هناك في أي لحظة!
مشكلة هذا النوع من الناس أنه لا يعرف كيف يعتذر عن ضياعه هو، وتضييعه لغيره، ولو سكتنا عنه لاقترح علينا أن نأخذ بقوانين الزواج المثلي وتحويل الفتيات في بلادنا الى ملكية مشاعة على نحو ما يجري في الغرب، وهو نفس الفكر الشيوعي الذي اعتنقه القشطيني في شبابه ومن خلاله تواصل مع الشيوعيين الاسرائيليين وقد كتب كثيرا عن تلك العلاقة الحميمة بينه وبينهم، وها هو يتوج تلك الحميمية بدعوته للامة العربية كي تذوب وتختفي تماما، مثل هذا الخرف يحتاج الى صفعة من جيل كامل رفس الانظمة البائدة التي هلل لها القشطيني وأمثاله، جيل شاب يستمد هويته من دين راسخ لا يعرف الضياع الفكري ويملك أدوات التجديد والتصحيح الذاتي بشكل يفوق أحدث التقنيات الالكترونية، فليفسح الطريق من ضيع نفسه وضلل أمته، وليتصدق على نفسه بالكف عن أذانا لفترة قصيرة بعد أن أذاقنا ألوان الاذى لاكثر من نصف قرن.
كلمة أخيرة: نشرت جريدتا القبس والوطن يوم أمس الخبر التالي: «قال توني بلير: أنا أقرأ القرآن الكريم كل يوم لفهم بعض الامور التي تحدث في العالم ولكونه مفيدا للغاية وكان بلير من المعارضين للقس الاميركي الذي دعا لحرق القرآن الكريم، وقال له «عليك قراءته بدلا من حرقه».
[email protected]