الكلام عن الانتخابات المصرية هنا في الكويت بعيد كل البعد عما يجري على الأرض هناك حيث يسود غضب شديد على فكرة تولي شخص من فريق الرئيس السابق مبارك رئاسة الدولة، هذه هي الرسالة التي وجهها تجمع الثلاثاء الماضي في ميدان التحرير والذي أعاد أجواء ثورة 25 يناير وأطلق تشكيكا كبيرا بحدوث اختراق لصندوق الانتخابات، وقد ازدادت سورة الغضب مع لجوء المرشح شفيق الى التأجيج الطائفي، وقد استفاد المرشح مرسي من هذا الغضب حسب جميع المحللين، وعلينا هنا في الكويت أن نفصل فيوز العواطف (مع/ ضد) وأن نصف الواقع كما هو. وبالنسبة للعواطف فقد لوحظ عدم كلام الاتجاه الديني في (ليبيا ـ تونس ـ مصر ـ سورية) منذ اندلاع الثورات العربية عن صنوف التعذيب التي مارستها عليهم تلك الأنظمة طوال ستين سنة مضت، تعذيب يفوق الخيال أداره خبراء من ألمانيا الشرقية وروسيا، ومع ذلك لم نقرأ ولم نسمع في مرحلة الثورات العربية الحالية سواء من الضحايا أو عائلاتهم كلاما عما تعرضوا له مما يشيب له الشبان، حقيقة، بل تركزت خطابات الثورة على ممارسات الحكم بحق عموم الشعب (في جميع تلك الدول) بغير توظيف سياسي لذلك التاريخ الدموي في الحراك السياسي.
الرسالة هنا، للجميع، أن أمام مصر «مستقبل» وأنه هو الأهم، ولهذا كنت أتمنى على الشارع المصري بكل أطيافه، أن يتعامل مع موضوع محاكمة مبارك بمنطق «ارتضينا اللجوء الى القضاء، وارتضينا اللجوء الى صناديق الاقتراع، وفي الحالتين يجب أن نقبل النتيجة».. النتيجة الشفافة التي لا يطالها التزوير حتى لا يتكرر سيناريو الجزائر.
نعم، منطق التسامح الذي طبقه النبي صلى الله عليه وسلم ـ بغير تشبيه أحد بالنبي عليه السلام ولا تشبيه لأحد بالكفار ـ حينما قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم مبايعة هند بنت عتبة على الاسلام وهي التي قتلت عمه حمزة رضي الله عنه ولاكت كبده حتى قال صلى الله عليه وسلم «ما وقفت موقفا أغيظ علي من هذا»، وهو الذي تعامل أيضا مع أبي سفيان على النحو المعروف في يوم الفتح، حتى قبل أن يعلن اسلامه، الشيء نفسه مع محاكمة حسني مبارك التي أخذت مجراها، وليتوقف الأمر عند هذه النقطة، ثم.. مثلما نطلب من هؤلاء التسامح فإن ذلك أدعى من جانب غيرهم، حيث أدان كثير منهم أنظمة القمع البوليسية، ولذا فلن نقبل منه الحث على استمرار رموز تلك الأنظمة تحت أي مبرر، فالعهد البائد مجرب تماما، وهو الذي أوصل مصر الى العجز الاقتصادي والفساد الاداري وهيمنة العسكر على سائر الوظائف القيادية المدنية.. الخ. ومن لا يريد الانتقال من تلك المرحلة البائسة المجربة الى مرحلة تحكمها آلية التداول السياسي الذي يقرر من يستمر ومن يفشل في التجربة فهو محكوم بالمخاوف التي يبثها فلول العهد السابق في نشرهم لأجواء محاكم التفتيش، التي تقول (أجب/هل كان جمال عبد الناصر طاغية؟ أجب/ هل ارتكب عبد الناصر جرم تعذيب خصومه؟ أجب/ هل كانت تظاهرات 9و 10 يونيو 1967 مدبرة؟)، يعني لا يكفي أن يسكت الضحايا، ويحتسبوا الأجر من الله عز وجل لمعاناة 60 سنة بل عليهم أن يشكروا النظام السابق على ما فعله بآبائهم وأمهاتهم في تلك الحقبة!
[email protected]