بعد صدور الحكم التاريخي يوم امس لابد من وقفة تأمل في نظامنا الانتخابي الذي قام بتقسيمنا نفسيا حتى كتب من كتب «لا احب المندي» في اشارة الى اهل البادية، وقال غيره كلاما اشد من ذلك في حق الشيعة، وتخندقت القبائل ضد بعضها حتى المدارس المتوسطة تحولت الى مجاميع، تلاميذ لكل قبيلة وطائفة بسبب نظام يفرز الاصوات ويلون المناطق بحسب تلك الانتماءات، ما المخرج من هذا المأزق؟ هل تكون ضريبة الممارسة الديموقراطية مكلفة الى هذا الحد؟ لم لا تستمر الممارسة السياسية بروح جماعية تتقدم فيها الكفاءة، ونسترجع دولة يقاس فيها الطبيب بمهارته والمهندس بابداعه والاستاذ الجامعي بعمقه، بغير تلك التصنيفات التي يعتبرها الاجنبي «مضحكة» فنحن جميعا بالنسبة له شريحة واحدة؟!
لقد تقدم د.محمد المقاطع بمبادرة رائعة تبعد العملية الانتخابية عن جميع تلك التصنيفات عندما اعد مقترحا بقانون لا يكون فيه توزيع الدوائر جغرافيا، حيث المرجعية هي تاريخ الميلاد فقط، مع استمرار الدوائر الخمس كعدد، وفي التفاصيل:
٭ بموجب نظام تاريخ الميلاد يكون توزيع الناخبين على الدوائر عشوائيا، وهو يضع حدا للاصطفافات بكل اشكالها، ويتيح للناخب التعبير عن رأيه هو، فقط.
٭ أنصح بقراءة المذكرة التفسيرية لمشروع القانون كونها وثيقة شارحة للاسباب التي دعت لهذا المقترح (اطلبها في الشبكة عبر مقترح د.محمد المقاطع 5 دوائر انتخابية حسب تاريخ الميلاد).
٭ سياسيا، هذا المقترح جاء من الساحة الكويتية، وليس من الطرفين المتصارعين المتهمين بأن كلا منهما يريد ان يوزع الدوائر حسبما يناسبه.
٭ قانونيا، يحقق هذا التوزيع العدالة لعدم التدخل في التوزيع، ويحصن القانون من الطعن بعدم المساواة.
٭ لا حاجة الى المحاصصة في التشكيل الوزاري، التي ينتقدها الكثيرون.
٭ ايقاف الفرز المناطقي في السكن (انت تسكن هنا وأنا اسكن هناك) شيء غريب في بلد لا يتجاوز حجم ولاية ديلاوير الاميركية، اصغر ولاية هناك، مع فارق ان جميع سكان ولايتنا يذهبون الى العمرة في مكان واحد!
صحيح، لقد تجاوزت التخندقات كل حد، لماذا اكره ايران او سورية؟ الخلاف مع الحكومات شيء وتلك الدول شيء آخر، فمن ايران جاء الامام ابوحنيفة الذي قيل عنه «كل الناس عيال في العلم على ابي حنيفة» وهي التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم «لو كان العلم معلقا بالثريا لنالته ايدي رجال من خراسان»، فعلماء الحديث الاقدمون جاءوا من مرو، نيسابور، الري ..الخ، في المقابل من يكره المندي ـ ليس كطعام، فأنا ايضا، موزود.. ويا اللحم ككل ـ فهو من نفس تلك الخلفية المزعجة التي يقول عنها احد اهل الحجاز عن بعض اهل الرياض: «يجي من الرياض عندنا، يعتمر، ويطوف بالبيت، ولما يرجع الرياض وينفتح باب الطيارة يقول «يا حيا الله ديرة الاسلام».. ايش هادا؟»، اذن هي مسألة من المسائل العادية التي تحتاج توعية وليست سببا لانهاك وطن ونشر اليأس بين ابنائه.
شكرا للدكتور محمد المقاطع مبادرته الكبيرة، وشكرا لكل من اسهم فيها ممن لا اعرف، فقد مارستم واجبكم في التوقيت المناسب، ان شاء الله.
كلمة اخيرة: لما حضرت ابا بكر رضي الله عنه الوفاة جمع الناس وقال «انه نزل بي ما ترون وقد اطلق الله ايمانكم من بيعتي وحل عنكم عقدتي ورد عليكم امركم فأمّروا عليكم من احببتم، فانكم ان امّرتم عليكم من احببتم في حياة مني كان اجدر الا تختلفوا بعدي».
قالوا: «اختر لنا يا خليفة رسول الله».
قال: «فلعلكم تختلفون!».
قالوا: «لا».
قال: «فأمهلوني أنظر لله، ولدينه، ولعباده»، وانتهت مشاوراته الى اجماع الناس على عمر رضي الله عنه، فعهد اليه.
[email protected]