قال أحد النواب السابقين: «كانت مجموعة الأغلبية تلتقي خارج المجلس، في مزرعة أو ديوانية، ثم تأتي بقرارات جاهزة للتمرير معتمدين على أغلبية الأصوات، قلنا لهم «هذا أمر دبر بليل».. فقال متحدثهم «لا.. دبر أمس بعد صلاة العصر بعد، اشعندك؟» قلنا «اين حقوق بقية النواب؟» قال «إذا صرتوا أغلبية سووا اللي تبون») انتهى، ممارسة التفرد كانت صريحة من جانب هذه الفئة، بل امتدت هذه الممارسة الى تشريعات تتعلق بإجراءت الأحكام القضائية ومسائل حساسة لم يتح فيها لسائر أعضاء المجلس ممارسة صلاحياتهم، وبدلا من إصلاح هذه الممارسة وصفوا غيرهم بهذه الصفة التي مارسوها طولا وعرضا، في المقابل نجد أن حق أمير البلاد في إصدار القوانين مقيد دستوريا بالتوافق مع مجلس الأمة الذي يستطيع رد القانون الذي لا يوافق عليه ويلزم لإقراره إذا أعيد أغلبية الثلثين، فمن الذي يمارس التفرد في الواقع الفعلي وليس في الكلام الملتبس؟
أعتقد أن عددا كبيرا من النواب السابقين من غير مجموعة الأغلبية مطالب بتنوير الناس بشأن ممارسات التفرد التي تم معها تهميش المجلس بأعضائه ومستشاريه، والتعدي على اللائحة الداخلية من خلال التصويت على نفس القانون في نفس الجلسة مرتين وإقراره بالمخالفة للائحة، تأتي أهمية هذا الكلام في وقت تحتفل فيه البلاد بمرور 50 سنة على صدور الدستور في 11/11/1962، هذه الوثيقة الهامة التي تعاقد على احترامها الحاكم مع المواطنين، لا يجوز انتهاكها من كلا الجانبين، لا يجوز أن نغضب فقط من انتهاك طرف واحد ونتجاهل انتهاك الطرف الآخر، وبهذه المناسبة لنا
3 وقفات:
٭ الدستور وثيقة مكتوبة على ورق، والذي يحولها الى أداة مؤثرة هو أسلوب تعامل الناس معها بأمانة وصدق، لهذا نجد الإنجليز قد اكتفوا بتلك الأمانة والصدق ولم يكتبوا دستورا على ورق، بينما نحن نشتكي من تطويع النصوص وكثرة اللجوء الى المفسرين عبر الصحف حتى تجاوز عددهم مفسري الأحلام.
٭ لابد من التفكير في إقامة منظومة قيم تكون بمثابة الحارس لهذه الوثيقة، وإذا كان القرآن الكريم الذي حفظه الله عزّ وجلّ من التحريف قد طاله تأويل المؤولين (..الذين يتبعون ما تشابه منه)، فالدستور أكثر عرضة للخدوش منه، قيم نوعية تتجاوز النصوص، مثل: «أيها الناس، إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بشيء من أخيه، فلا يأخذ منه شيئا فإنما هي قطعة من نار».
٭ أهمية وجود مرجعية للخلاف وهو ما أشار اليه القرآن الكريم (فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول) وقال تعالى أيضا (ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم)، والدستور يمثل مرجعية تعاقدية سليمة، بفهم مبدأ «الأمة هي مصدر السلطات..» على أنه يؤسس لعلاقة تقوم على التراضي بين الطرفين، تمثلت عمليا في بيعة تلزم طرفي العلاقة باحترام تلك السلطات، وما يحدث من نقل المرجعية الى الشارع هو نكث لهذا الإلتزام ونكوص عن مرجعية جرى التراضي بها كوسيلة صحيحة لفض الخلاف.
كلمة أخيرة: قال عمر رضي الله عنه: «أوشك هذا العلم أن يقبض قبضا سريعا فمن كان عنده منه شيء فلينشره غير الغالي فيه ولا الجافي عنه» الغالي هو المتنطع والمتعنت، والجافي هو المعتزل بعلمه عن الناس.
[email protected]