٭ في الثلاثينيات من القرن الماضي لاحظت بعض الزوجات والأمهات أن أزواجهن وأبناءهن يرجعون في وقت متأخر من الليل وهم في حالة غير طبيعية، وتبين أن عادة جديدة طرأت يخرج بموجبها الواحد من هؤلاء الى خارج السور بسيارة تاكسي مع صاحبته، ينزلهما السائق في الصحراء ثم يبتعد، وبعد ساعتين يرجع إليهما ليأخذهما الى المدينة، رفعت تلك الأسر شكاوى الى الشيخ أحمد الجابر الذي أمر بمنع خروج سيارات التاكسي من بوابات السور بعد الغروب الا بتصريح خاص، أدى هذا القرار الى انزعاج عدد من أصحاب تلك السيارات بسبب العائد الجزيل حيث يحصل الواحد منهم في رحلة ليلية كهذه على ما يعادل مجهود أسبوع كامل، التقى المعترضون في موقع تجمع سيارات التاكسي، وتصادف ذلك مع عودة أحد الشباب المتحمس للمجلس التشريعي الذي انتخب عام 1938 من العراق، فاقترح عليهم القيام بمسيرة الى قصر السيف للتعبير عن اعتراضهم، وبالفعل اتجهت المسيرة «النهارية» التي تحدث لأول مرة في تاريخ الكويت نحو قصر السيف وبسبب استخدام عبارات غير متفق عليها «يسقط أحمد الجابر» تحركت قوة من الأمن لمواجهة تلك المظاهرة وكانت النتائج سيئة.
٭ في تلك الفترة كانت المناقشة ساخنة بين الأمير وأعضاء المجلس التشريعي الذي كان يطالب بكتابة دستور ينظم العلاقة بين الحاكم والشعب وكانت الصياغة المطروحة سابقة على عصرها، وقد اعتمدها الأمير في شهر يوليو 1938، ولولا الاندفاع وتلك الصدامات غير المدروسة لشهدت مسيرة العمل السياسي تطورا رائعا وطبيعيا، يكون أساس العلاقة فيه هو الثقة المتبادلة، في حين أن الأساس الذي جرى عليه العمل لعدة عقود من العمل السياسي في الكويت هو الشك المتبادل، مع كل أسف.
٭ تزامن التوتر بين الحاكم وأعضاء المجلس التشريعي مع بدء المفاوضات بين الانجليز والشيخ أحمد الجابر حول السعر الذي تشتري به شركة الزيت الانجليزية ـ الأميركية، برميل النفط ـ شارك في الاتصالات المقيم البريطاني السيد ديغوري ورئيس الشركة السيد سكوت 15/10/1938 ـ كان الانجليز يعرضون سعرا زهيدا، وبعد مفاوضات شاقة توصل الطرفان الى اتفاق، وما أن تحققت للانجليز مطالبهم حتى توقف الدعم الذي قدموه للمجلس ـ رسالة من الأمير الى القنصل ترحب بدعمه للمجلس صفحة 49 من مذكرات خالد العدساني يرحمه الله ـ وقطعوا كل اتصال لهم بأعضاء المجلس، بل وأسكتوا إذاعة قصر الزهور التي تبث البلاغات الداعمة للشباب من قصر الملك غازي في بغداد بشكل مفاجئ عن تشجيع الحركة الاصلاحية ـ صفحة 122 ـ علما بأن العراق يومئذ كان تحت الإدارة المباشرة للانجليز «احتلال».
٭ في تلك الفترة تغلب الصوت المتسرع على الصوت المتأني الذي لا يرى القفز فوق المرحلة بقرارات متلاحقة تحول معها حماس كثيرين كانوا مع التغيير الا أن التطبيقات المتعجلة أبعدتهم عنه، ولم ينتبه المخلصون الى اختلاف أجندة الانجليز عن أجندتهم، ولم يتمكنوا من إبعاد الأصوات غير المنضبطة التي فرضت عليهم أشياء غير متفق عليها.
درس بليغ: الأمم الناجحة فقط هي التي تستفيد من دروسها القديمة، وبالذات اذا كانت قد دفعت بسبب تلك الدروس ثمنا باهظا.
[email protected]