Note: English translation is not 100% accurate
«مادوف» نتيجة عزوف المصارف عن الاستثمار التنموي
21 ديسمبر 2008
المصدر : الأنباء
بقلم : فيصل الزامل
فيصل الزاملموضوع «برنارد مادوف» ليس لغزا كما يقال، فهذا الرجل الذي تسبب في خسارة 50 مليار دولار، هو نموذج لبنوك الاستثمار التي لا تعتمد الأسس المهنية عبر فرق عمل ودرجات في الصلاحيات وما يسمونه اليوم بالحوكمة، أي الانضباط في العمل وفق أنظمة يحاسب من يخترقها، الأمر في بنوك الاستثمار مختلف تماما، ففي الغالب يكون هناك «سوبرمان» يعتقد أنه يمسك بكل خيوط حركة الأموال، ويدفعه جنون الثقة بالنفس الى إحكام دائرة السرية وحصرها في شخصه، وبالتالي فالموضوع في تصوري ليس احتيالا بمعنى السرقة فلا أحد يستطيع استيعاب 50 مليارا تخص عشرات البنوك (اتش. بي. اس – يو بي اس - لونغ آيلند اليهودية للأنظمة الصحية - بانكو ستاندرد. الخ) فقد دأب الرجل على اختلاق عمليات لا أحد يعلم تفاصيلها سواه، عقود لعملاء غير معروفين ولصفقات غير مفهومة تولد عوائد وهمية يستخدمها لاستقطاب عملاء يستضيفهم في رحلة صيد بيخت فخم طوله 16 مترا، ثم يتنزه معهم في ملاعب الغولف، وذلك على مدى 20 عاما لم يشعر خلالها العملاء بأنهم يتسلمون العوائد من ايداعات مستثمرين جدد!
لقد كاد أسلوب هذا الرجل أن يكتشف ابان رئاسته لبورصة «ناسداك الالكترونية» حينما تجاوز المنطق في توزيع عوائد بواقع 12% ـ 13%، تم اغلاق ملف التحقيق معه بسرعة خوفا من اهتزاز الثقة بتلك البورصة (...) فانتقل بخفة الى بناية 64 في شرق منهاتن واستثمر خبرته بثغرات النظام المالي الأميركي معلنا عن ادارته لصناديق تحوط تحقق الأمان لكبار المستثمرين، وهو أهم ما تريد المؤسسات المالية الكبيرة سماعه للاطمئنان على فوائضها المالية، لم يكن أحد يسأل عن معايير كفاية رأس المال التي «صكت رأسنا» بها بازل، حتى يصل حجم التعرض لشخص واحد الى 50 مليار دولار الأمر الذي جعل مشكلة «سوسيتيه جنرال» تافهة، 5 مليارات فقط!
ما تحتاج اليه الأسواق اليوم هو «الإدارة الأخلاقية للأموال» وهي التي تجعل صناديق التقاعد في الغرب ترفض الاستثمار في شركات السلاح أو القمار أو الكحول وهي بذلك تلتقي في الأسس مع المصارف الاسلامية ويمكن للاثنين أن يعلنا عن حركة تصحيحية في مسار النظام المالي الدولي نحو أسلوب جديد يتم تطويره بالافادة من التجربة الاسلامية بعد تحويلها الى العالمية، وهو أمر تحقق بدرجة كبيرة تسمح بدخول العالم كله في دائرة الاقتصاد الأخلاقي الأكثر أمانا فيما يخص الممارسات البشرية في ادارة الأموال ليس لجهة السلوك الشخصي فقط ولكن في الانضباط المهني الذي لا يقبل نموذج «السوبرمان» لا في نيويورك ولا في الأرجنتين ولا في هونغ كونغ أو دبي أو الكويت.
قبل نحو 10 أشهر قادت مجموعة من رجال الدين المسيحي في لندن مسيرة احتجاج على عجز العالم عن مواجهة مشكلة الفقر التي طالت 25 مليون انسان في افريقيا وأكثر منهم في أنحاء متفرقة من العالم، وفشلت الأمم المتحدة في توجيه أموال كافية لإحداث تنمية فعالة توجه طاقات «مرتزقة الحروب» للتكسب من وراء أعمال شريفة، هذا الفشل تتحمل جزءا كبيرا منه مؤسسات مالية أودعت المليارات عند شخص مثل «مادوف» بحثا عن الأمان السهل، بينما يتطلب الدخول في مشروعات انتاجية ذات عوائد مجزية جهودا مضنية لا يكترث بها ضيوف نوادي الغولف ورحلات الصيد الفاخرة، والنتيجة هي خسائر مخجلة لبنوك عريقة ـ كما يقال ـ أحدها يدير عمليات فتح اعتمادات «يومية» بواقع مليار جنيه استرليني ـ اتش. بي.سي ـ ومع ذلك لا يريد بذل جهد في تنمية أمواله بنفسه، فيحول نتائج تلك العمليات المصرفية الهائلة ـ 1000 مليون دولار ـ الى شارع 64 في منهاتن ليديرها شخص واحد، بالطريقة اللامهنية التي تكشفت بشكل ساخر أمام العالم الأسبوع الماضي.
كلمة أخيرة: امتدح شاعر زميله أمام عمر ( رضي الله عنه ) قائلا: «انه شديد المرة، بعيد الفرة، وشيك الكرة، ليس كمثله صارعا أو مصروعا، والله كأنه لا يموت» فالتفت عمر الى زميله وهو مقطب الجبين قائلا: ـ هيه. فقال الرجل: «يا أمير المؤمنين، الناس صالحون بصلاح إمامهم، خصب نباتهم، أجرياء على عدوهم..» فقال عمر: «ما منعك أن تقول في صاحبك مثل الذي قال فيك؟» قال: «منعني ما رأيت في وجهك» قال: «أما والله لو قلت مثل الذي قال لك لأوجعتكما عقوبة».. هكذا كان يفعل بالمغرورين.