مع اختلاف الحياة، ومحور اهتماماتنا أصبحت السياسة هي حاضرنا، ومستقبلنا، واصبح الحديث عنها هو الطبيعي، والتطرق لغيرها من مواضيع هو الشاذ، فلم نعد منفتحين على الحياة الا من خلال شاشة الأخبار التي تشهد كل يوم تحولا، وأزمات، وتبقينا في حيرة السؤال: هل اصبحنا مؤثرين ام متأثرين باستمرار في هذه الحياة؟
حين أصبح منبر المتحدث ما تخطه يداه خفت الرقابة، وتصاعدت الخلافات، واصبح المجال لا يتسع سوى لما تصر على ان تراه، فلم نعد نفسح مكانا لما يختلف عنا من آراء، وذلك ما جعلنا أكثر عرضة للأزمات والفتن، فالنفس ان خاضت السياسة عن دراية أصبحت صانعة للقرار، وان اتخذتها عن جهل أصبحت كالببغاء تردد ما هو سائد، وتتعصب لما هو عنها مخالف.
الحياة مجالات عدة، وحين يقتصر مجال على البقية نعاني من العصبية، فالسياسة تبرمج الذهن على الدفاع أو الهجوم، وتغيب عنه ماذا يريد ان يكون، فينقسم بين مؤيد ومعارض، ويعاني من التناقض في الداخل. حين يملك الجميع لسانا واحدا يصبح من الصعب ان تلتقي كلماتهم عند حد واضح، وهذا هو الحال مع من يجد نفسه يتحدث بالسياسة، وكأنه على علم ودراية، وفي الحقيقة هو يأخذ العناوين، ويشكلها بسطور ما يريد، دون ان ينظر لما قد تخلفه من آثار، وما تتركه في الحوار من اشتعال للخلاف، فحين تتبنى رأيا مخالفا لا بد ان تكون لديك سعة، ومعرفة بالرأي الآخر أكثر من ان تجاهد كي لا تسمعه أو تتعرف عليه، وحين نسيس ما نقول، ونجعله ميزانا للعقول سنصل لطريق مسدود.
ان تكون احاديثك سياسية يعني ان تظل تتحدث عكس التيار، وتجد نفسك في نهاية المطاف فارغة من الحياة، حين تخيم الاحداث الراهنة على مستويات التفكير من الطبيعي ان نشهد تفككا واضحا في البنية النفسية، لأننا طوال الوقت ندور في نفس الدائرة، ونرفض ان نرى ما في خارجها من فائدة. هناك مثل يقول: «أعط الخباز خبزه ولو اكل نصفه»، فلنترك السياسة لأصحاب الإدارة، والمعنيين بها، ولنعود لأحاديثنا الطيبة، ولمواضيعنا الشيقة، للأهداف التي نرسمها معا، وللابتسامة التي نتقاسمها، فمنذ ان اصبحنا سياسيين اصبح الكل يجد نفسه صلاح الدين، ويظل يقنعك بمحتوى ما يراه، وان عارضته أشهر سيفه، ونعتك بألقاب خارجة عن الآداب، تارة يراك خائنا، وطوال الوقت يراك عميلا، وانت بين هنا وهناك تشعر انه ما عاد لك مكان، لكن تذكر حين تواجه مثل هذه الشخصيات ان وطنيتنا لا تقاس بآراء سياسية مع أو ضد، بل بوحدتنا الوطنية وباتفاقنا، وليس تشابهنا، وبإيجابيتنا وليس سلبيتنا، وبإصلاحنا وليس انتقادنا.
Dr_ghaziotaibi@